تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
وَفِي مِثْلِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ : " لَقَدْ هُدِيتُمْ لِمَا لَمْ يَهْتَدِ لَهُ نَبِيُّكُمْ ! وَإِنَّكُمْ لَتُمْسِكُونَ بِذَنَبِ ضَلَالَةٍ " ; إِذْ مَرَّ بِقَوْمٍ كَانَ رَجُلٌ يَجْمَعُهُمْ ، يَقُولُ : رَحِمَ اللَّهُ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً : سُبْحَانَ اللَّهِ ، فَيَقُولُ الْقَوْمُ . وَيَقُولُ : رَحِمَ اللَّهُ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً : الْحَمْدُ لِلَّهِ فَيَقُولُ الْقَوْمُ . ثُمَّ إِنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ مِنَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ ، وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَتَسَلَّلُونَ لِوَاذًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النِّفَاقَ مِنْ أَصْلِهِ بِدْعَةٌ ، لِأَنَّهُ وَضَعَ بِدْعَةً فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى غَيْرِ مَا وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَلِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ ; قَالَ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى } [ البقرة : 16 ] ، فَمِنْ حَيْثُ كَانَتْ عَامَّةً فِي الْمُخَالِفِينَ عَنْ أَمْرِهِ يَدْخُلُونَ أَيْضًا مِنْ بَابِ أَحْرَى . فَهَذِهِ جُمْلَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَا بَقِيَ ، إِذْ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِيهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ ، وَبَسْطُ مَعَانِيهَا طَوِيلٌ ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . [ فَصْلٌ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبِدْعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ ] وَبَقِيَ مِمَّا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى ذِكْرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ شَرْحُ مَعْنًى عَامٍّ يَتَعَلَّقُ بِمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ : أَنْ الْبِدَعَ ضَلَالَةٌ ، وَأَنَّ الْمُبْتَدِعَ ضَالٌّ وَمُضِلٌّ : وَالضَّلَالَةُ مَذْكُورَةٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ النَّقْلِ الْمَذْكُورِ ، وَيُشِيرُ إِلَيْهَا فِي آيَاتِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّفَرُّقِ شِيَعًا وَتَفَرُّقِ الطُّرُقِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَعَاصِي ، فَإِنَّهَا لَمْ