تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
تُوصَفُ فِي الْغَالِبِ بِوَصْفِ الضَّلَالَةِ ; إِلَّا أَنْ تَكُونَ بِدْعَةً أَوْ شِبْهَ الْبِدْعَةِ ، وَكَذَلِكَ الْخَطَأُ الْوَاقِعُ فِي الْمَشْرُوعَاتِ وَهُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ لَا يُسَمَّى ضَلَالًا ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْمُخْطِئِ اسْمُ ضَالٍّ ، كَمَا لَا يُطْلَقُ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِسَائِرِ الْمَعَاصِي . وَإِنَّمَا ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِحِكْمَةِ قَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الضَّلَالَ وَالضَّلَالَةَ ضِدُّ الْهَدْيِ وَالْهُدَى ، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ الْهُدَى حَقِيقَةً فِي الظَّاهِرِ الْمَحْسُوسِ ، فَتَقُولُ : هَدَيْتُهُ الطَّرِيقَ وَهَدَيْتُهُ إِلَى الطَّرِيقِ ، وَمِنْهُ : نُقِلَ إِلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، قَالَ تَعَالَى : { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ } [ الإنسان : 3 ] ، { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } [ البلد : 10 ] ، { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } [ الفاتحة : 6 ] . وَالصِّرَاطُ وَالطَّرِيقُ وَالسَّبِيلُ ; بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الطَّرِيقِ الْمَحْسُوسِ ، وَمَجَازٌ فِي الطَّرِيقِ الْمَعْنَوِيِّ ، وَضِدُّهُ الضَّلَالُ ، وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الطَّرِيقِ ، وَمِنْهُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ وَالشَّاةُ الضَّالَّةُ ، وَرَجُلٌ ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ إِذَا خَرَجَ عَنْهُ . لِأَنَّهُ الْتُبِسَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ هَادٍ يَهْدِيهِ ، وَهُوَ الدَّلِيلُ . فَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ ; لَمَّا غَلَبَ الْهَوَى مَعَ الْجَهْلِ بِطَرِيقِ السُّنَّةِ ; تَوَهَّمَ أَنَّ مَا ظَهَرَ لَهُ بِعَقْلِهِ هُوَ الطَّرِيقُ الْقَوِيمُ دُونَ غَيْرِهِ ، فَمَضَى عَلَيْهِ ، فَحَادَ بِسَبَبِهِ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ ، فَهُوَ ضَالٌّ مِنْ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ رَاكِبٌ لِلْجَادَّةِ ; كَالْمَارِّ بِاللَّيْلِ عَلَى الْجَادَّةِ وَلَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ يَهْدِيهِ ، يُوشِكُ أَنْ يَضِلَّ عَنْهَا ، فَيَقَعُ فِي مُتَابِعِهِ ، وَإِنْ كَانَ بِزَعْمِهِ يَتَحَرَّى قَصْدَهَا .