وَفِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَسْمَاءَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : « أَنَا عَلَى حَوْضِي أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ ، فَيُؤْخَذُ بِنَاسٍ مِنْ دُونِي ، فَأَقُولُ : أُمَّتِي ! فَيُقَالُ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي ، مَشَوْا الْقَهْقَرَى » .
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ : « أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، لَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ ، حَتَّى إِذَا تَأَهَّبْتُ لِأَتَنَاوَلَهُمْ ، اخْتَلَجُوا دُونِي ، فَأَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! أَصْحَابِي ، يَقُولُ : لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوهُ بَعْدَكَ » .
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي غِمَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ; لِأَجْلِ مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ فِيهِمْ ، وَهُوَ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ الْمَحْضِ ، كَانَ كُفْرُهُمْ أَصْلًا أَوِ ارْتِدَادًا ، وَلِقَوْلِهِ : قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ ، وَلَوْ كَانَ الْكُفْرُ ; لَقَالَ : قَدْ كَفَرُوا بَعْدَكَ ، وَأَقْرَبُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ تَبْدِيلُ السُّنَّةِ ، وَهُوَ وَاقِعٌ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ النِّفَاقُ ; فَذَلِكَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ مَقْصُودِنَا ، لِأَنَّ أَهْلَ النِّفَاقِ إِنَّمَا أَخَذُوا الشَّرِيعَةَ تَقِيَّةً لَا تَعَبُّدًا ، فَوَضَعُوهَا فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا ، وَهُوَ عَيْنُ الِابْتِدَاعِ .
وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى كُلُّ مَنِ اتَّخَذَ السُّنَّةَ وَالْعَمَلَ بِهَا حِيلَةً وَذَرِيعَةً إِلَى نَيْلِ حُطَامِ الدُّنْيَا ، لَا عَلَى التَّعَبُّدِ بِهَا لِلَّهِ تَعَالَى ، لِأَنَّهُ تَبْدِيلٌ لَهَا ، وَإِخْرَاجٌ لَهَا عَنْ وَضْعِهَا الشَّرْعِيِّ .
[ الْخَوْفُ عَلَى الْمُبْتَدِعِ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا ]
وَأَمَّا الْخَوْفُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا :
فَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنَ السَّلَفِ الْأَوَّلِ وَغَيْرَهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ كَثِيرٍ مِنْ فِرَقِهِمْ ; مِثْلَ : الْخَوَارِجِ ، وَالْقَدَرِيَّةِ ، وَغَيْرِهِمْ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 168
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص١٦٨