فَإِذًا كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ فِي دِينِ اللَّهِ ، فَهُوَ ذَلِيلٌ حَقِيرٌ بِسَبَبِ بِدْعَتِهِ ، وَإِنْ ظَهَرَ لِبَادِي الرَّأْيِ عِزُّهُ وَجَبَرُوتُهُ ، فَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أَذِلَّاءُ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ الذِّلَّةَ الْحَاضِرَةَ بَيْنَ أَيْدِينَا مَوْجُودَةٌ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ ، أَلَا تَرَى أَحْوَالَ الْمُبْتَدِعَةِ فِي زَمَانِ التَّابِعِينَ ، وَفِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ حَتَّى تَلَبَّسُوا بِالسَّلَاطِينِ ، وَلَاذُوا بِأَهْلِ الدُّنْيَا ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ ; اسْتَخْفَى بِبِدْعَتِهِ ، وَهَرَبَ بِهَا عَنْ مُخَالَطَةِ الْجُمْهُورِ ، وَعَمِلَ بِأَعْمَالِهَا عَلَى التَّقِيَّةِ .
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ مَا وَعَدَهُمْ ، فَأَنْجَزَ اللَّهُ وَعْدَهُ ، فَقَالَ : { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ } [ البقرة : 61 ] .
وَصَدَّقَ ذَلِكَ الْوَاقِعُ بِالْيَهُودِ حَيْثُمَا حَلُّوا ; فِي أَيِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ كَانُوا ، لَا يَزَالُونَ أَذِلَّاءَ مَقْهُورِينَ : { ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } [ البقرة : 61 ] ، وَمِنْ جُمْلَةِ الِاعْتِدَاءِ اتِّخَاذُهُمُ الْعِجْلَ .
هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذِّلَّةِ ، وَأَمَّا الْغَضَبُ ; فَمَضْمُونٌ بِصَادِقِ الْأَخْبَارِ ، فَيُخَافُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدِعُ دَاخِلًا فِي حُكْمِ الْغَضَبِ ، وَاللَّهُ الْوَاقِي بِفَضْلِهِ .
[ الْمُبْتَدِعُ بَعِيدٌ عَنْ حَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ]
وَأَمَّا الْبُعْدُ عَنْ حَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَلِحَدِيثِ ( الْمُوَطَّأِ ) : « فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ » . . الْحَدِيثَ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 167
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص١٦٧