فَصْلٌ
وَقَدْ رأَينا أَن نَخْتِمَ الْكَلَامَ فِي الْبَابِ بفصلٍ جَمَعَ جُمْلَةً مِنْ الِاسْتِدْلَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وغيرها مما ( 1 ) فِي مَعْنَاهَا ، وَفِيهِ مِنْ نُكَتِ هَذَا الْكِتَابِ جُمْلَةٌ أُخرى ، فَهُوَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِليه بِحَسْبَ الْوَقْتِ وَالْحَالِ ، وإِن كَانَ فِيهِ طُولٌ ، وَلَكِنَّهُ يَخْدِمُ مَا نَحْنُ فِيهِ إِن شَاءَ اللَّهُ تعالى .
وَذَلِكَ أَنه وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ قَوْمٍ يتسمَّون بالفقراءِ ، يَزْعُمُونَ أَنهم سَلَكُوا طَرِيقَ الصُّوفِيَّةِ ، فَيَجْتَمِعُونَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي ، ويأَخذون فِي الذِّكْرِ الجَهْري ( 2 ) عَلَى صوتٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ فِي الغناءِ وَالرَّقْصِ إِلى آخَرَ اللَّيْلِ ، وَيَحْضُرُ مَعَهُمْ بَعْضُ المتسمِّين بِالْفُقَهَاءِ ، يَتَرَسَّمُونَ بِرَسْمِ الشُّيُوخِ الْهُدَاةِ إِلى سُلُوكِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ : هَلْ هَذَا الْعَمَلُ صَحِيحٌ فِي الشَّرْعِ أَم لَا ؟ .
فَوَقَعَ الْجَوَابُ بأَن ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ ، الْمُخَالَفَةِ طَرِيقَةَ ( 3 ) رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَطَرِيقَةَ أَصحابه والتابعين لهم بإِحسان ، فنفع الله بِذَلِكَ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ .
ثُمَّ إِن الجواب وصل ( 4 ) إِلى بعض البلدان ، فقامت القيامة عَلَى الْعَامِلِينَ بِتِلْكَ الْبِدَعِ ، وَخَافُوا انْدِرَاسَ طَرِيقَتِهِمْ ، وَانْقِطَاعَ أَكلهم بِهَا ، فأَرادوا الِانْتِصَارَ لأَنفسهم ، بَعْدَ أَن راموا ذلك بالانتساب إِلى شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ ثَبَتَتْ فَضِيلَتُهُمْ ، وَاشْتُهِرَتْ فِي الِانْقِطَاعِ إِلى اللَّهِ ، وَالْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ طَرِيقَتُهُمْ ، فلم يستقم ( 5 ) لَهُمْ الِاسْتِدْلَالُ ؛ لِكَوْنِهِمْ عَلَى ضِدِّ مَا كَانَ عليه القوم ، فإِنهم
هامش
( 1 ) قوله : " مما " ليس في ( خ ) .
( 2 ) في ( خ ) : " الجهوري " .
( 3 ) في ( غ ) و ( ر ) : " لطريقة " .
( 4 ) في ( غ ) و ( ر ) : " رحل " .
( 5 ) في ( م ) : " يستقر " .