فَصْلٌ
قَدْ يَكُونُ أَصل الْعَمَلِ مَشْرُوعًا ، وَلَكِنَّهُ يَصِيرُ جَارِيًا مَجْرَى الْبِدْعَةِ مِنْ بَابِ الذَّرَائِعِ ، وَلَكِنْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي فَرَغْنَا مِنْ ذِكْرِهِ .
وَبَيَانُهُ : أَن الْعَمَلَ يَكُونُ مَنْدُوبًا إِليه - مَثَلًا - فيَعمل بِهِ الْعَامِلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ عَلَى وَضْعِهِ الأَول مِنَ النَّدْبِيَّة ، فَلَوِ اقْتَصَرَ الْعَامِلُ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بأْس ، وَيَجْرِي مَجْرَاهُ إِذا دَامَ عَلَيْهِ فِي خَاصِّيَّتِهِ ( 1 ) غَيْرَ مُظْهِرٍ لَهُ دَائِمًا ، بَلْ إِذا أَظهره لَمْ يُظْهِرْهُ عَلَى حُكْمِ الْمُلْتَزَمَاتِ مِنَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَالْفَرَائِضِ اللَّوَازِمِ ، فَهَذَا صَحِيحٌ لَا إِشكال فِيهِ . وأَصله نَدْبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإِخفاء النَّوَافِلِ وَالْعَمَلِ بِهَا فِي الْبُيُوتِ ، وَقَوْلُهُ : " أَفضل الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إِلا الْمَكْتُوبَةَ " ( 2 ) . فَاقْتَصَرَ فِي الإِظهار عَلَى الْمَكْتُوبَاتِ - كَمَا تَرَى - ؛ وإِن كَانَ ذَلِكَ فِي مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَو فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، أَو في مسجد بيت المقدس ، حتى قَالُوا : إِن النَّافِلَةَ فِي الْبَيْتِ أَفضل مِنْهَا فِي أَحد هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ، بِمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ . وَجَرَى مَجْرَى الْفَرَائِضِ فِي الْإِظْهَارِ : السُّنَنُ ( 3 ) ؛ كَالْعِيدَيْنِ وَالْخُسُوفِ والاستسقاءِ وَشِبْهِ ذَلِكَ ، فَبَقِيَ مَا سِوَى ذَلِكَ حُكْمُهُ الإِخفاء ، وَمِنْ هُنَا ثَابَرَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى إِخفاءِ الأَعمال فيما استطاعوا وخفَّ ( 4 ) عَلَيْهِمْ الاقتداءُ ( 5 ) بِالْحَدِيثِ ، وَبِفِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ؛ لأَنه القدوة والأسوة .
هامش
( 1 ) في ( ر ) و ( غ ) " خاصته " .
( 2 ) أخرجه البخاري في " صحيحه " ( 731 و 6113 و 7290 ) ، ومسلم ( 781 ) .
( 3 ) في ( خ ) : " والسنن " .
( 4 ) في ( خ ) و ( م ) : " أو خف " .
( 5 ) في ( غ ) و ( ر ) : " اقتداء " .