تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
فتأَمّلوا كَيْفَ لَمْ يُطَالِبِ اللَّهُ الْعِبَادَ بِتَرْكِ الْمَلْذُوذَاتِ ؛ وإِنما طَالَبَهُمْ بِالشُّكْرِ عَلَيْهَا إِذا تَنَاوَلُوهَا . فالمُتَحَرِّي لِلِامْتِنَاعِ مَنْ تَنَاوَلَ مَا أَباحه اللَّهُ من غير مُوجِبٍ شَرْعي مُفْتَئِت عَلَى الشَّارِعِ ( 1 ) ، وَكُلُّ مَا جاءَ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ من الامتناع عن بعض المتناولات ليس ( 2 ) مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ، وإِنما امْتَنَعُوا مِنْهُ لِعَارِضٍ شَرْعِيٍّ يَشْهَدُ الدَّلِيلُ بِاعْتِبَارِهِ ، كَالِامْتِنَاعِ مِنَ التوسُّع لضيق الحلال ( 3 ) في يده ، أَو لأَن التناول ( 4 ) ذَرِيعَةٌ ( 5 ) إِلى مَا يُكْرَهُ أَو يُمْنَعُ ، أَو لأَن فِي المُتَنَاوَلِ وَجْهُ شُبْهَةٍ تَفَطَّنَ إِليه التَّارِكُ وَلَمْ يَتَفَطَّنْ إِليه غَيْرُهُ مِمَّنْ عَلِمَ بِامْتِنَاعِهِ . وَقَضَايَا الأَحوال لَا تُعَارِضُ الأَدلة بِمُجَرَّدِهَا ؛ لِاحْتِمَالِهَا فِي أَنفسها . وَهَذِهِ المسأَلة مذكورةٌ عَلَى وجهها في كتاب " الموافقات " ( 6 ) ، والحمد لله ( 7 ) . وَمِنْ ذَلِكَ الِاقْتِصَارُ فِي الأَفعال وَالْأَحْوَالِ ( 8 ) عَلَى مَا يُخَالِفُ مَحَبَّةَ النُّفُوسِ ، وَحَمْلُهَا عَلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ شيءٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّشْدِيدِ . أَلا تَرَى أَن الشَّارِعَ أَباح أَشياءَ مِمَّا فِيهِ قضاءُ نَهْمَةِ النَّفْسِ وتمتُّعها واستلذاذُها ؟ فَلَوْ كَانَتْ مخالفتُها بِرًّا لشُرِعَ ، ولنُدِبَ النَّاسَ إِلى تَرْكِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ مُبَاحًا ، بَلْ مندوبَ التَّرْكِ ، أَو مكروهَ الْفِعْلِ . وأَيضاً فإِن اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ فِي الأُمور المُتَنَاوَلةِ - إِيجاباً أَو نَدْبًا - أَشياءَ مِنَ المُسْتَلَذَّات الْحَامِلَةِ عَلَى تَنَاوُلِ تِلْكَ الْأُمُورِ ، لِتَكُونَ تِلْكَ اللَّذَّاتِ كَالْحَادِيَ إِلى الْقِيَامِ بِتِلْكَ الأُمور ، كَمَا جَعَلَ فِي الأَوامر إَذا امْتُثلت ، وَفِي النَّوَاهِي إِذا اجْتُنبت أُجوراً ( 9 ) . مُنْتَظَرَةً ؛ وَلَوْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ ، وجعل في
هامش
( 1 ) علق رشيد رضا هنا بقوله : يقال : افتأت على فلان افتئاتاً ، وافتأت افتياتاً : إذا تصرف بشيء من شؤونه بدون إذنه ولا رضاه . اه - . ( 2 ) قوله : " ليس " ليس في ( خ ) . ( 3 ) في ( خ ) : " الحال " . ( 4 ) في ( خ ) و ( م ) : " المتناول " . ( 5 ) في ( ر ) و ( غ ) : " خديعة " . ( 6 ) انظر " الموافقات " ( 4 / 8 و 87 ) . ( 7 ) قوله : " والحمد لله " ليس في ( خ ) و ( م ) . ( 8 ) في ( غ ) و ( ر ) : " والأقوال " . ( 9 ) في ( خ ) : " أجروا " .