تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
فإِذاً الاقتصار على البشيع في المأْكول مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ تنطُّعٌ ، وَقَدْ مرَّ مَا في ( 1 ) قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } ( 2 ) الْآيَةَ ( 3 ) . وَمِنْ ذَلِكَ : الِاقْتِصَارُ فِي الْمَلْبَسِ عَلَى الخَشْن مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، فإِنه مِنْ قَبِيلِ التَّشْدِيدِ والتنطُّع الْمَذْمُومِ ، وَفِيهِ أَيضاً مِنْ قَصْد الشُّهْرة مَا فِيهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ الْحَارِثِيِّ أَنه قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبي طالب رضي الله عنه : اعْدِني ( 4 ) عَلَى أَخي عَاصِمٍ . قَالَ : مَا بَالَهُ ؟ قَالَ : لَبِسَ العباءَ يُرِيدُ النُّسُك . فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : عليَّ بِهِ . فأُتي بِهِ مُؤْتَزِرًا ( 5 ) بعباءَة ( 6 ) ، مُرْتَدِيًا بالأُخرى ( 7 ) ، شَعْثَ الرأْس وَاللِّحْيَةِ ، فعبَّس فِي وَجْهِهِ وَقَالَ : وَيْحَكَ ! أَما اسْتَحْيَيْتَ مِنْ أَهلك ؟ أَما رَحِمْتَ وَلَدَكَ ؟ أَترى اللَّهَ أَباح لَكَ الطَّيِّبَاتِ وَهُوَ يَكْرَهُ أَن تَنَالَ مِنْهَا شَيْئًا ؟ بَلْ أَنت أَهون عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ( 8 ) ! أَما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : { وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ * } إِلى قوله : { يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ * } ( 9 ) ؟ أَفترى اللَّهُ أَبَاحَ هَذِهِ لِعِبَادِهِ إِلا لِيَبْتَذِلُوهُ ( 10 ) ويحمدوا الله عليه ؛ فيثيبهم عَلَيْهِ ؟ وإِن ابْتِذَالَكَ نِعَمَ اللَّهِ بِالْفِعْلِ خَيْرٌ مِنْهُ بِالْقَوْلِ . قَالَ عَاصِمٌ : فَمَا بَالَكَ فِي خُشُونة مأْكَلِك وَخُشُونَةِ مَلْبسك ؟ قَالَ : وَيْحَكَ ! إِن اللَّهَ فَرَضَ عَلَى أَئمة الْحَقِّ أَن يُقَدِّرُوا أَنفسهم بضعفة الناس ( 11 ) .
هامش
( 1 ) في ( خ ) و ( م ) : " وقد مرّ ما فيه في " . ( 2 ) سورة المائدة : الآية ( 87 ) . ( 3 ) قوله : " الآية " من ( خ ) و ( م ) فقط . ( 4 ) كذا في جميع النسخ ، وكأن ناسخ ( م ) استشكلها فوضع عليها ثلاث نقاط ( . . . ) ، وأما رشيد رضا فأثبتها : " اغد بي " . ( 5 ) في ( ر ) و ( غ ) : " متزرراً " . ( 6 ) في ( خ ) : " العباءة " . ( 7 ) في ( غ ) و ( ر ) : " بأخرى " . ( 8 ) في ( خ ) : " منها من ذلك " . ( 9 ) سورة الرحمن : الآيات ( 10 - 22 ) . ( 10 ) علق رشيد رضا هنا بقوله : الابتذال ضد الصون ، وما يستعمل يبتذل ؛ فالمراد استعمال النعم والطيبات والانتفاع بها ، ويستعمل الابتذال في لازمه ، وهو الامتحان والاحتقار ، وليس بمراد هنا . اه - . ( 11 ) رواه ابن الجوزي في " تلبيس إبليس " صفحة ( 247 ) من طريق ابن الأنباري ، عن أبيه ، عن أبي عكرمة الضبي ، عن مسعود بن بشر ، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى به . وإسناده معضل ؛ فبين أبي عبيدة والربيع مفاوز ، ومسعود وأبو عكرمة لم أقف لهما على ترجمة ، والله أعلم .