وَتَمَيَّزُوا بأَصوات ، هِيَ إِلى الاعتداءِ أَقرب مِنْهَا إِلى الاقتداءِ ، وَطَرِيقَتُهُمْ إِلى اتِّخَاذِهَا مَأْكَلَةً وَصِنَاعَةً أَقرب مِنْهَا إِلى اعْتِدَادِهَا قُرْبَةً وَطَاعَةً . انْتَهَى مَعْنَاهُ عَلَى اخْتِصَارِ أَكثر الشَّوَاهِدِ .
وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَن فَتْوَاهُ الْمُحْتَجَّ بِهَا لَيْسَ مَعْنَاهَا مَا رَامَ هؤلاءِ الْمُبْتَدَعَةُ ، فإِنه سُئِلَ فِي هَذِهِ عَنْ فقراءِ الْوَقْتِ ، فأَجاب بذمِّهم ، وأَن حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَنَاوَلُ عَمَلَهُمْ . وَفِي الأُولى إِنَّمَا سُئِلَ عَنْ قوم يجتمعون لقراءَة كتاب الله ( 1 ) ، أَو لِذِكْرِ اللَّهِ . وَهَذَا السُّؤَالُ يَصْدُقُ عَلَى قَوْمٍ يَجْتَمِعُونَ مَثَلًا فِي الْمَسْجِدِ ، فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَفْسِهِ ، أَو يَتْلُو الْقُرْآنَ لِنَفْسَهُ ( 2 ) ، كَمَا يَصْدُقُ عَلَى مَجَالِسِ المعلِّمين والمتعلِّمين ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عليه ، فلا يَسَعُهُ ولا غيره ( 3 ) مِنَ العلماءِ إِلا أَن يَذْكُرَ مَحَاسِنَ ذَلِكَ والثواب عليه ، فلما سئل عن أَهل الابتداع ( 4 ) فِي الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ ، بَيَّن مَا يَنْبَغِي أَن يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ الْمُوَفَّقُ ، وَلَا تَوْفِيقَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ( 5 ) .
وأَما مَا ذَكَرَهُ فِي الإِنشادات الشِّعْرِيَّةِ ، فَجَائِزٌ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُنْشِدَ الشِّعْرَ الَّذِي لَا رَفَثَ فِيهِ ، وَلَا يذكِّر بِمَعْصِيَةٍ ، وَأَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ إِذا أُنْشِدَ ، عَلَى الْحَدِّ الَّذِي كَانَ يُنْشَدُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَو عَمِلَ بِهِ ( 6 ) الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ يُقتدى بِهِ مِنَ العلماءِ ؛ وَذَلِكَ أَنه كَانَ يُنشد ويُسمع لِفَوَائِدَ ( 7 ) ، مِنْهَا : الْمُنَافَحَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم ، وعن الإسلام وأَهله ، فكانوا في زمانه يعارضون به الكفار في أشعارهم التي يذمون فيها الإسلام وأهله ، ويمدحون بها الكفر وَأَهْلِهِ ( 8 ) ، وَلِذَلِكَ كَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ نُصب لَهُ مِنْبَرٌ فِي الْمَسْجِدِ يُنْشِدُ عَلَيْهِ إِذا وَفَدَتِ الْوُفُودُ ؛ حَتَّى يقولوا :
هامش
( 1 ) في ( خ ) : " لقراءة القرآن " .
( 2 ) في ( خ ) : " نفسه " .
( 3 ) في ( خ ) و ( م ) : " وغيره " .
( 4 ) في ( خ ) و ( م ) : " البدع " .
( 5 ) قوله : " العلي العظيم " من ( خ ) فقط .
( 6 ) قوله : " به " ليس في ( غ ) و ( ر ) .
( 7 ) في ( غ ) و ( ر ) : " الفوائد " .
( 8 ) من قوله : " فكانوا في زمانه " إلى هنا سقط من ( خ ) و ( م ) .