تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
ذَلِكَ الذِّكْرَ مُدَاوَلَةً ، طَائِفَةٌ فِي جِهَةٍ ، وَطَائِفَةٌ فِي جِهَةٍ أُخرى ، عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ يُشْبِهُ الغناءَ ، وَيَزْعُمُونَ أَن هَذَا مِنْ مَجَالِسِ الذِّكْرِ الْمَنْدُوبِ إِليها ، وَكَذَبُوا ! فإِنه لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَولى بإِدراكه وَفَهْمِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ ، وإِلا فأَين فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السنة الاجتماع للذكر على صوت واحد جهراً عَالِيًا ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ( 1 ) إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } ( 2 ) . وَالْمُعْتَدُونَ فِي التَّفْسِيرِ : هُمُ الرَّافِعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بالدعاءِ . وَعَنْ أَبي مُوسَى قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وسلّم : " أيها الناس ( 3 ) ! أَربعوا على أَنفسكم ، إنكم ليس تَدْعُونَ أَصمَّ وَلَا غَائِبًا ، إِنكم تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا ، وَهُوَ مَعَكُمْ " ( 4 ) . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ تَمَامِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ . وَلَمْ يَكُونُوا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُكَبِّرُونَ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ ، وَلَكِنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ لِيَكُونُوا مُمْتَثِلِينَ لِلْآيَةِ . وَقَدْ جاءَ عَنِ السَّلَفِ أَيضاً النَّهْيُ عَنِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ بِالْهَيْئَةِ الَّتِي يَجْتَمِعُ عَلَيْهَا هؤلاءِ الْمُبْتَدِعُونَ ( 5 ) ، وجاءَ عَنْهُمُ النَّهْيُ عَنِ الْمَسَاجِدِ المتَّخذة لذلك ، وهي الرُّبُطُ التي يشبِّهونها ( 6 ) بالصُّفَّة . ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ وضَّاح ( 7 ) وَغَيْرُهُمَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ . فَالْحَاصِلُ مِنْ هؤلاءِ أَنهم حسَّنوا الظَّنَّ بأنفسهم ( 8 ) فيما هم عليه ( 9 ) ، وأَساؤوا الظَّنَّ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ أَهل الْعَمَلِ ( 10 ) الرَّاجِحِ الصَّرِيحِ ( 11 ) ، وأَهل الدين
هامش
( 1 ) في ( خ ) " وخيفة " . ( 2 ) سورة الأعراف : آية ( 55 ) . ( 3 ) قوله : " أيها الناس " ليس في ( خ ) و ( م ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 2992 و 4202 و 6384 و 6610 و 7386 ) ، ومسلم ( 2704 ) . ( 5 ) تقدم تخريجه ( في القسم الأول ص 251 ) . ( 6 ) في ( خ ) و ( م ) : " يسمونها " . ( 7 ) في " البدع والنهي عنها " ( ص 34 وما بعدها ) . ( 8 ) في ( خ ) و ( م ) : " بأنهم " بدل " بأنفسهم " ، وهي صحيحة بمراعاة التعليق التالي . ( 9 ) في ( خ ) : " فيما هم عليه مصيبون " ، وكذا في ( م ) ، لكن طمس على قوله : " مصيبون " . ( 10 ) في ( غ ) و ( ر ) و ( م ) : " بالسلف الصالح والعمل " . ( 11 ) قوله : " الراجح الصريح " من ( خ ) فقط .
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 108 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي