تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 673

مساهمون:

ص٦٧٣
شرح
فإن قلت : استدل الشافعي ومن تابعه بما روي عن ابن المسيب أنه سئل عن ذلك ، فقال : يفرق بينهما سنة . قال الشافعي : قوله سنة ، أي سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وبما روي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - « أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال في الرجل ، لا يجد ما ينفق على امرأته : " يفرق بينهما » رواه الدارقطني ، وبما روي في حديث أبي هريرة « أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال : " تقول أطعمني وإلا فارقني » رواه البخاري وغيره . قلت : الجواب عن قول سعيد بن المسيب من وجوه : الأول : أنه لما روي ذلك عن عبد الرحمن بن أبي زياد ، قال ابن حزم : هو لا شيء ، فسقط الاحتجاج به . والثاني : أن قول ابن المسيب أنه سنة لا نسلم أنه سنة الرسول - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، لأن السنة كما تطلق على سنة الرسول تطلق على سنة غيره أيضًا . ألا ترى إلى قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : « سن بكم معاذ سنة حسنة » وسنة العمرين فاشتبه بين العلماء . والثالث : أنه مرسل ، والشافعي لا يجعل المرسل حجة . فإن قيل : الشافعي استثنى مراسيل سعيد بن المسيب كلها ، ولا غيره ، والشرط عنه في العمل بالمرسل أن يُروى من طريق آخر مرفوعًا أو عمل به بعض الصحابة . وقال ابن حزم : وروي عن ابن المسيب قولان مختلفان ، فأيهما كان السنة والآخر خلاف السنة ، فبطل قوله السنة لاضطرابه ومخالفة بعضه بعضًا . وقال أيضًا : خالف ابن المسيب عمر وعليا وغيرهما . والجواب عن حديثه الآخر أنه قيل لأبي هريرة : سمعت هذا من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقال : لا ، هذا من كيس أبي هريرة . رواه عنه كذلك البخاري . ولأن ذلك من قول المرأة ، وليس فيه أن الرجل يلزم به . فإن قلت : الشافعي استدل أيضًا بقوله تعالى { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } [ البقرة : 229 ] ( البقرة الآية 229 ) ، فإن الرجل لما عجز عن الإمساك بالمعروف ، تعين التسريح بالإحسان ، فلما أبى ذلك ناب القاضي منابه دفعًا للظلم كما ذكرنا . قلنا : نحن أيضًا استدللنا بقوله تعالى { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ } [ البقرة : 280 ] ( البقرة : الآية 280 ) نص الله تعالى وعز وجل على أن المعسر يستحق الإنظار والإمهال ، فلو أجلته المرأة في النفقة ما كان لها أن تطالب بالفرقة ، فكذا إذا ثبت الأجل شرعًا ، وقد ذكرنا بقية دليلنا عن
البناية شرح الهداية — صفحة 673 | العيني