تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
شرح
فيه وجهان ، ففي قول : يباح الفرض بنية صلاة مطلقة أو نافلة ، ولو تيمم للفرض استباح به النفل قبل الفرض وبعده ، وفي قول : لا يجوز به النفل ، وبعده يجوز وبه قال مالك وأحمد . ولو تيمم لمس المصحف أو لقراءة القرآن أو للطواف استباح ما نواه ، وهل يبيح به النفل ؟ فيه وجهان ، ثم اعلم أن المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ - لم يجب عن قول زفر ؛ لأن الخلف لا يجوز أن يكون مخالفاً لأصله . والجواب عنه أن الخلف قد فارق الأصل لاختلاف حالهما ، ألا ترى أن الوضوء يجعل بأربعة أعضاء بخلاف التيمم ، ومن التكرار في الوضوء دون التيمم . فإن قلت : لا شك أن التيمم خلف عن الوضوء ، فلا ينبغي أن يخالف الأصل قطعاً . قلت : قد بينت لك أنه يخالف الأصل باختلاف الحال ، على أنا لا نسلم أن التيمم خلف عن الوضوء عند الكل : فإن عند محمد خلف عن الوضوء ، وعندهما خلف عن الماء في حصول الطهارة ، حتى جازت إمامة المتيمم للمتوضئ عندهما خلافاً لما قاله ، وسيجئ تحقيقه في باب الإمامة إن شاء الله تعالى . واعلم أيضاً أن التيمم رافع للحدث أو مبيح ، فعندنا رافع للحدث إلى وقت وجود الماء ، وقال أبو بكر الرازي : لا يرفع ، وبه قال الشافعي كالمسح على الخفين يرفع الحدث عن الرجل ، والأول المذهب للحديث الذي في " الصحيحين « وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » وحديث أنس « الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج » . فإن قلت : معنى الحديثين : فإن التراب قائم مقام الطهور في إباحة الصلاة ، إذ لو كان طهوراً حقيقة لما احتاج الجنب بعد التيمم أن يغتسل ، والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عمران بن الحصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال : « كنا في سفر مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصلى بالناس ، فإذا هو برجل معتزل فقال : " ما منعك أن تصلي " قال : أصابتني جنابة ولا ماء ، قال : " يكفيك الصعيد » ، « واشتكى إليه الناس العطش فدعا علياً وآخر ، فقال : " اذهبا فابتغيا الماء " فذهبا فجاءا بامرأة معها مزادتان ، فأفرغ من أفواه المزادتين ونودي في الناس ، فسقى واستقى ، وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء ، فقال : " اذهب فأفرغه عليك » . قلت : ليس في الحديث أنه تيمم ، ويحتمل أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عاجله بالماء قبل التيمم ، أو أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أمره بالاغتسال استحباباً لا وجوبا ، وقد روى أبو داود من « حديث عمرو بن العاص قال : ( احتلمت في ليلة باردة وأنا في غزوة ذات السلاسل ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت