تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
وكذا يجوز بالغبار مع القدرة على الصعيد عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -
شرح
التراب فهي لابتداء الغاية ، كقولك خرجت من البصرة ، يعني ابتداء المسح من الصعيد ، بدليل قَوْله تَعَالَى في موضع آخر { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ } [ المائدة : 6 ] ( المائدة : الآية 6 ) وقال صاحب " الدراية " قيل : لا يستقيم هذا الاستدلال ؛ لأن المطلق والمقيد إذا وردت في حادثة واحدة في حكم واحد فيجب حمل المطلق على المقيد بالاتفاق ، وكذا قوله " من لابتداء الغاية " عدول عن حقيقة هذه الكلمة ؛ لأنها حقيقة للتبعيض مجاز لغيره ، وفيه تأمل . قلت : وجه التأمل أن هذا ليس ورود المطلق والمقيد في الآيتين المذكورتين في " النساء " و " المائدة " من قبيل ورودهما في حكم واحد ، بل في سبب الطهارة ولا تزاحم في الأسباب ، فجرى مجرى المطلق على إطلاقه ، ولا يحمل على المقيد . وقوله : " لأنها حقيقة للتبعيض مجاز في غيره " غير صحيح ؛ لأن الغالب على كلمة من أن تكون لابتداء الغاية ، حتى ادعى جماعة أن سائر معانيها راجعة إليه . قال الأترازي : وليس قول أبي يوسف والشافعي ، قال الله تعالى : { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } [ المائدة : 6 ] ( المائدة : الآية 6 ) ، وهذا يدل على أن غير التراب لا يجوز به التيمم ، فنقول : لا نسلم أنه يدل على ذلك إلا فيما إذا أريد به التبعيض من قوله " منه " أو فيما إذا أريد منه الابتداء فلا ، فإن قلتم بالثاني فلا نسلم الدلالة على ما قلتم ؛ لأنه معنى يحصل في كل جزء من أجزاء الأرض ، إن قلتم بالأول فنعم يلزم ما قلتم إذا سلم ، لكن لا نسلم أن التبعيض هو المراد . قلت : هو الذي ذكره لا يوافق دليلاً إلا في الخلاف يجوز فيه التيمم بغير التراب أو لا يجوز ، والدليل الموافق هو الذي ذكرناه الآن ، وهو الخلاف في اشتراط التصاق الغبار وعدمه . وقوله " لا نسلم أن التبعيض هو المراد " منع مجرد ، ويمكن أن يكون للتبعيض ؛ لأنه أحد معاني كلمة من . فإن قلت : علامة كلمة التبعيض أن يسد " بعض " مسدها كقراءة عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - { حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } [ آل عمران : 92 ] ( آل عمران : الآية 92 ) . قلت : لا يتصور ها هنا هذا التقدير فافهم . [ التيمم بالغبار مع وجود الصعيد ] م : ( وكذا يجوز ) ش : أي التيمم ، م : بالغبار مع القدرة على الصعيد عند أبي حنيفة ومحمد ) ش : بأن نفض ثوبه أو لبده وارتفع فتيمم منه يجوز عندهما ، وبه قال الشافعي . وعند أبي يوسف لا يجوز ، وحكي عن مالك أيضاً ، وفي " الإيضاح " أن أبا يوسف رجع عن ذلك . وقال صاحب " الدراية " : قوله مع القدرة على الصعيد نفي لقول أبي يوسف . قلت : ليس الأمر كذلك ، وخلاف أبي يوسف معهم من الاقتصار على ذكر أبي حنيفة ومحمد ، وإنما هذا قيد قيد به ؛ لأنه إذا لم يقدر على الصعيد جاز التيمم بالغبار حينئذ اتفاقاً .