شرح
وقد رد على الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - بعضهم بقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الحياض التي تكون في الفلوات وما استوى بها من السباع ، فقال - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : « إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا » أخرجه الأربعة ، فلو كان سؤر السباع طاهرا لم يكن لذكر هذا الشرط فائدة ، وكان التقييد به ضائعا .
وأجاب النووي عن هذا بأجوبة :
أحدها : أنه تمسك بدليل الخطاب ، قال : وهم لا يقولون به . وقال السروجي : ما قاله صحيح نحن لا نقول به ، ولا نعتقد صحة هذا الحديث أيضا ؛ لأنه مطعون فيه لكنهم زعموا أنه صحيح ومفهوم الشرط حجة عندهم ، فنحن نلزمهم ما هو حجة عليهم عندهم .
الثاني : أن السؤال كان الماء الذي ترده الدواب والسباع فتشرب منه وتبول فيه غالبا ، وأجيب أنه لا يجوز تقييد التنجيس ببولها وحده لوجهين : أحدهما : أن ورود السباع على الماء للشرب لا للتبول فيه فلا يجوز ترك هذا الذي سبق الحديث لأجله . الثاني : أن كلمة " ما " عامة فلا تخصيص بالبول ويصرف عن غيره بلا دليل .
الجواب الثالث : أن الكلاب من جملة ما يردهما فالتنجيس بسببها ، ويدل على دخولها في ذلك أوجه : أحدها : أنه جاء في رواية الدواب ، ورد عليه السروجي بأن لو كان التنجيس بسبب الكلاب دون السباع لم يكن لذكر السباع وترك الكلاب التي منها يفسد الماء عندهم معنى إذ الكلاب لم تذكر في المشهور ، وأيضا لو سلم ذكرها في بعض الطرق لما كان لضم السباع فيها فائدة إذ كان فساد الماء بسبب الكلاب لا غير عندهم ، وقوله : إنها من جملة الكلاب لا يصح ، فإن من قال : فلان قتل سبعا لا يفهم منه قتل كلب ، والأصل عدم الاشتراك والترادف . وقوله إنها داخلة في الدواب لذوات الحوافر كالفرس والبغل والحمار كانت داخلة فيها لا يجوز إخراج غيرها بلا دليل .
قلت : إنكاره الكلب من السباع غير موجه ؛ لأن السبع في اللغة كل حيوان مفترس ، ولهذا ورد في الحديث : « السنور سبع » مع أن الكلب أقوى منه وأشد افتراسا ، واستشهاده بقوله : فإن من قال . . إلخ ، ليس تحته طائل ؛ لأن هذا نجسا يعرف بين الناس ، ودعواه بان قوله : " دخول الكلب في الدواب باطل " غير صحيحة ، لأن الدابة في اللغة ما دب على الأرض . قال الجوهري : كل ما مشى على الأرض دابة ودبيب ، والدابة التي تركب .
وقوله : " لأن لذوات الحوافر كالفرس ، والبغل ، والحمار " غير موجه ، لأن التخصيص لهذه الثلاثة من أين ، والدابة منقولة عما يدب على وجه الأرض على ذوات الأربع من الحيوان ،