تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
واقتناص الشوارد بالاقتباس من الموارد ، والاعتبار بالأمثال من صفة الرجال ،
شرح
م : ( واقتناص الشوارد بالاقتباس من الموارد ) ش : هذه جملة مستقلة بذاتها ، وليس لها موقع من الإعراب ، لعدم وقوعها موقع المفرد ، وتعلقها بما قبلها كأنها جواب عن سؤال نشأ عن الكلام المتقدم ، تقديره أن يقال : لما كانت الحوادث كثر وقوعها ، والنوازل تضيق عنها موضوعات الأوائل فكيف قنص ما كان شاردا منها إذا لم يوقف عليه من عين النصوص ؟ فأجاب بقوله : " واقتناص الشوارد بالاقتباس من الموارد " ، يعني : اكتساب النوازل من الحوادث التي تعثر دركها ، ويحتاج فيها إلى الاستنباط بالقياس ، والأخذ من موارد النصوص ، يعني : بالاطلاع على الأوصاف المؤثرة ، وفيه إشارة أيضا إلى أنه قادر على الاستنباط فيما لم يرد عن السلف ، ولم يؤثر عنهم مطلقا على مناط الحكيم . " الاقتناص " : من اقتنص : إذا اصطاد وكذلك قنص ومصدره قنص بالسكون . وأما القنص بتحريك النون ، فهو الصيد ، والشوارد : جمع شاردة ، من شرد البعير يشرد شرودا وشرادا فهو شارد وشرود ، والجمع شرد مثل خدم وخادم . والاقتباس : من اقتبست منه نارا : أي أخذت منه قبسا ، وهو شعلة من نار ، وكذلك المقباس ، يقال : قبست منه نارا اقتبس قبسا فاقتبس [ أي ] : أعطاني منه قبسا . ( والموارد ) : من ورد فلان ورودا : حضر . وأراد بها موارد النصوص من الكتاب والسنة . وهذا التركيب يشتمل على أنواع من محاسن البديع : الأول : فيه استعارة تخييلية ، واستعارة ترشيحية . التخييلة في قوله : " الشوارد " ، حيث شبه الحوادث بالوحش الشارد على التخييل . والترشيحية في قوله : " اقتناص " ، حيث أورد صفة ملائمة للمستعار منه وهو الاقتناص على سبيل الترشيح . الثاني : فيه جناس لاحق ين قوله : " الشوارد " و " الموارد " نحو قَوْله تَعَالَى : { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } [ الهمزة : 1 ] ( الهمزة : الآية 1 ) ، وقوله : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ } [ النساء : 83 ] ( النساء : الآية 83 ) ، وقوله تعلى : { ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ } [ غافر : 75 ] ( غافر : الآية 75 ) ، كل هذا جناس لاحق . الثالث : فيه سجع ترصيع ، نحو قول الحريري : فهو يقطع الأسجاع بجواهر لفظه ، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه . م : ( والاعتبار بالأمثال من صفة الرجال ) ش : الاعتبار مبتدأ ، وخبره : من صفة الرجال ، والجملة معطوفة على ما قبلها ، وهي جواب عن سؤال ينشأ من الجملة المتقدمة ، تقديره أن يقال : إذا كان اقتناص الشوارد ، والنوادر من الأحكام لا يكون إلا بالاقتباس من موارد النصوص يكون