تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وبالوقوف على المآخذ يعض عليها بالنواجذ .
شرح
ذلك أمرا عظيما ؛ لا يقدر على ذلك إلا السلف المشهورون بالاستنباط وإدراك المعاني الخفية ، فأجاب عنه بقوله : " والاعتبار بالأمثال من صفة الرجال " ، يعني إظهار الأحكام بالأقسام بالقياس من صفة الرجال الكاملين ، والسلف كانوا رجالا كاملين ، ونحن أيضا رجال يسوغ لنا الاعتبار بالأمثال ، كما ساغ لهم ذلك . وهذا كقول أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في حق التابعين : هم رجال نزاحمهم كما يزاحموننا . وهذا في الحقيقة اعتذار عن شروعه في التصنيف . " والاعتبار " : مصدر من اعتبرت الشيء : إذا رددته إلى نظيره . " والأمثال " : جمع مثل بكسر الميم ، كالأشباه جمع شبه ، وأراد به المقيس عليه . وفيه من المحاسن اشتماله على سجع مطرف ، وهو ما يختلف فيه الفاصلتان ، نحو قَوْله تَعَالَى : { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } [ نوح : 13 ] { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا } [ نوح : 14 ] ( نوح : الآية 13 ، 14 ) ، وإن لم يختلف فهو سجع ترصيع . م : ( وبالوقوف على المآخذ يعض عليها بالنواجذ ) ش : وبالوقوف عطف على قوله بالأمثال ، والتقدير : قياس الأحكام على نظائرها من صفة الرجال الكاملين ، " وبالوقوف على مآخذ الأحكام من " : وقفت الدابة تقف وقوفا ، ووقفانا به . تعدى ولا يتعدى . وقوله : " يعض عليها " : جملة فعلية وقعت حالا من المآخذ . وقد عرفت أن الجملة الفعلية إذا وقعت حالا وكان فعلها مضارعا مثبتا لا يحتاج إلى الواو ، بل يجوز نحو : جاء الأمير تقاد الجبائب بين يديه . وأشار بهذا التركيب إلى صعوبة الوقوف على مآخذ الأحكام ، وأنه من صفة الرجال الكاملين لا من صفة كل رجل واحد . وقال الشيخ قوام الدين : قوله : " بالوقوف " إلى آخره : جواب عن سؤال مقدار ، بأن يقال : نعم ، إن موضوعات المتقدمين لا تكفي جميع الحوادث ، لوقوعها متجددة . وهذا المعنى يقتضي التصنيف والاستنباط ، ولكن هل فيك تلك الصلاحية حتى اجترأت على التصنيف ؟ فأجاب عنه وقال : نعم ؛ لأن السلف لم يقع صنيعهم على ما عليه من الحسن والإحكام إلا باعتبار وقوفهم على مادة الأحكام ، فنحن نشاركهم في هذا المعنى . قلت : هذا كلام بعيد جدا لا يعضد من التركيب ، ولا يوافق مراد المصنف على ما [ لا ] يخفى على الفطن . والظاهر أن المراد من هذا الكلام والذي قبله أنه أراد بهذا هضم نفسه عنه رتبة التصنيف ؛ لأن ذلك بالاعتبار بالأمثال ، وبالوقوف على مآخذ الأحكام ، ولكن لما جرى الوعد منه في مبدأ " بداية المبتدي " بشرح يرسم بكفاية المنتهى ، على ما صرح به في المتن شرع فيه لأجل وفائه بوعده ، وإن كان لا يرى نفسه من رجال هذا الميدان . وأشار بهذا إلى أن مآخذ الأحكام والوقوف عليها لا يحصل إلا بمعاناة الشدة في ذلك ، وهو معنى قوله : " يعض عليها " ، أي على