حتى وضعوا مسائل من كل جلي ودقيق . غير أن الحوادث متعاقبة الوقوع
شرح
عنه - وقد قيل له : كم قال أبو حنيفة في الإسلام ؟ قال : ستين ألفا ، يعني مسائله .
ثم قال الخطيب : ذكر الثقة أن أبا حنيفة قال في السنة ثلاثة وثمانين ألفا وثمانية وثلاثين أصلا في العبادات ، وخمسة وأربعين أصلا في المعاملات . وقال غيره : إن أبا حنيفة وضع ثلاثمائة أصل ، كل أصل يخرج منه عشرة من الفروع . وذهب قوام الدين وغيره من قوله : " أوائل المستنبطين " إلى أن المراد منه أبو حنيفة وصاحباه ؛ نظرا إلى أن هذا الكتاب في بيان مذهب أبي حنيفة ، فلذلك خصصه به ، ولكن لا يلزم من ذلك التخصيص بل الظاهر منه فقهاء الصحابة والتابعين أو سائر المجتهدين من الفقهاء المتقدمين ؛ لعموم الكلام .
قوله : " بالتوفيق " : يتعلق بقوله " خص " ، وهو حسن عناية الله لعبده . وقال بعض أهل الكلام : التوفيق : خلق الله قدرة الطاعة ، والخذلان : خلق قدرة المعصية .
م : ( حتى وضعوا مسائل من كل جلي ودقيق ) ش : حتى : للغاية بمعنى إلى ، والمسائل : جمع مسألة ، وهو موضع السؤال ، كذا قال بعضهم ، وليس كذلك ، بل المسألة مصدر ، قال الصاغاني : بمسألة الشيء ومسألة من الشيء : سؤالا ومسألة .
قوله : " من كل جلي " كلمة " من " للبيان ، وموضعها النصب على الوصفية ، تقديره مسائل جلية ودقيقة . والجلي : الظاهر ، وهو نقيض الخفي ، وأراد به المسائل القياسية لظهور إدراكها . وقال صاحب " النهاية " : نظيرها إذا وقعت البعرة في البئر ، فيه قياس واستحسان . فالقياس : أن تفسد الماء لوقوع النجاسة في الماء القليل ، هذا دليل ظاهر دركه . والاستحسان : أن لا يفسد ؛ لأن آبار الفلوات ليس لها رؤوس حاجزة ، والمواشي تبعر حولها ، وتلقيها الريح فيها ، فجعل القليل عند الضرورة عفوا ، ولا ضرورة في الكثير ، وهذا دليل خفي دركه .
قلت : تخصيص الجلي بالمسائل القياسية فيه نظر ؛ لأنه قد تكون مسألة قياسية في غاية الدقة ، ومسألة استحسانية في غاية الجلاء والظهور .
قوله : " ودقيقة " : من دق الشيء يدق دقة : أي صار دقيقا ، وهو خلاف الظاهر . والدقاق بالضم والدق بالكسر مثل الدقيق .
م : ( غير أن الحوادث متعاقبة الوقوع ) ش : هذا استثناء من قوله " حتى وضعوا " ويضاف إلى قوله " غير " . وهو اسم ملازم للإضافة في المعنى ، ويجوز أن يكون صفة للنكرة ، نحو قَوْله تَعَالَى : { نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ } [ فاطر : 37 ] ( فاطر : الآية 37 ) ، أو لمعرفة قريبة منها ، نحو : { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } [ الفاتحة : 7 ] ( الفاتحة : الآية 7 ) .