شرح
اللفظ ، وذلك من وجوه :
الأول : أن المدح قد يحصل للحي وغيره ، فإن من رأى لؤلؤة في غايتها يمدحها ولا يحمدها ، فبينت أن المدح أعم من الحمد .
الثاني : أن الحمد يكون قبل الإحسان وبعده ، والمدح لا يكون إلا بعده .
والثالث : أن المدح قد يكون منهيا عنه ، قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : « احثوا التراب في وجوه المداحين » ، والحمد مطلق .
والرابع : المدح عبارة عن القول الدال على كونه مختصا بنوع من أنواع الفضائل . والحمد هو القول الدال على كونه مختصا بفضيلة معينة ، وهي فضيلة الإنعام والإحسان .
ثم اعلم أن معنى الحمد والشكر الحقيقي في العرف أن الحمد ليس عبارة عن قول القائل : الحمد لله ، بل هو فعل يشعر عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما مطلقا ، بمعنى أعم من أن يكون منعما للحامد أو لغيره . وذلك أن الفعل إما فعل القلب ، أعني الاعتقاد باتصافه بصفات الكمال ، أو فعل اللسان ، أعني ذكر ما يدل عليه من القرائن والأمارات التي تدل على أن المحمود يتصف بالصفات الكاملة ، أو فعل الجوارح ، وهو الإتيان بأفعال دالة على اتصافه بصفات الكمال والجمال ، وأن الشكر ليس قول القائل : الشكر لله ، بل صرفه جميع ما أنعم الله عليه من السمع والبصر وغيرهما إلى ما خلق وأعطاه لأجله ، كصرفه النظر إلى مطالعة مصنوعاته يتوصل منها إلى المصدر صانعها ، والسمع إلى تلقي ما ينبئ عن مرضاته والاجتناب عن منهياته .
ثم اعلم أن الألف واللام موضوعة إما للعهد الخارجي أو الذهني ، وإما لاستغراق الجنس ، وإما لتعريف الطبيعة . لكن العهد هو الأصل ، ثم الاستغراق ، ثم تعريف الطبيعة ؛ لأن اللفظ الذي يدخل عليه اللام دال على الماهية بدون اللام . فحمل اللام على الفائدة الجديدة أولى من حمله على تعريف الطبيعة ، والفائدة الجديدة هذه إما تعريف العهد أو استغراق الجنس وتعريف العهد أولى من الاستغراق ؛ لأنه إنما ذكر بعض أفراد الجنس خارجا وذهنا ، فحمل اللام على ذلك البعض المذكور أولى من حمله على جميع الأفراد ؛ لأن البعض متيقن ، والكل محتمل . وبين هذا اختلفوا إذا دخلت على المفرد أو الجمع : فقالت عامة أهل الأصول والعربية : تفيد الاستغراق فيهما جميعا إلا إذا كان معهودا .