أعلى معالم العلم وأعلامه
شرح
فإن قلت : لم بني الذي على السكون ؟
قلت : لأنه يشبه الحرف من حيث إنه لا يستقل بنفسه .
فإن قلت : لم أعرب في حال التثنية ؟
قلت : بالتثنية يزول الشبه ، إذ لا مثنى في الحروف فيعود إلى أصل استحقاقه في الإعراب . ومنهم من يشدد ياءه ويخفضونه أيضا من غير وجه ، لاستطالتهم إياه مع صلته ، فقالوا : " الذر " بحذف الياء ، ثم " الذ " بحذف الحركة ، ثم حذفوه رأسا واجتروا عنه باللام ، وذلك في نحو : الضارب إياه زيدا ، واسم الفاعل هاهنا في معنى الفعل ومعناه الذي ضرب إياه .
م : ( أعلى ) ش : مأخوذ من الإعلاء ، وثلاثية : علا يعلو . يقول : علا في المكان يعلو علوا ، وعلي بالكسر ، في الشرف ، يعلى علاء بالفتح ، ويقال أيضا : علا بالفتح علاء .
م : ( معالم العلم ) ش : كلام إضافي ، مفعول أعلى . والجملة صلة الموصول . وهو جمع معلم بفتح الميم وهو موضع العلم ، والمعنى رفع مواضع درك العلوم ، وأراد بها أصول الشرع ، لكونها مدرك العلم الشرعي ، وقيل : أراد بها العلماء على معنى أنهم مواضع أخذ العلوم . وأما إعلاء الله إياهم فظاهر ، قال الله تعالى : { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } [ المجادلة : 11 ] ( المجادلة : الآية 11 ) ، حيث خصهم بالذكر ثانيا بعد دخولهم في قوله : { الَّذِينَ آمَنُوا } [ المجادلة : 11 ] إظهارا لزيادة درجاتهم عنده .
م : ( وأعلامه ) ش : عطف على المعالم ، وهو جمع علم بفتحتين وهو الجبل ، وأراد به العلماء تشبيها لهم بالجبال ، لكونها أوتاد الأرض . وجه الاستعارة أن الجبال تمنع الأرض من التحرك والتمايل ، فكذلك العلماء بين ظهراني الأمة ، بل ينزلون منهم منزلتها ، لكونهم يمنعون عن الميل إلى الزيغ والعناد ، ويعني قيام أمورهم وانتظام أقوالهم على منهاج العدل في الشرع يكون منهم ، ويقال : المراد من الأعلام : إثبات الأحكام الشرعية وشروطها . فعلى هذا يكون جمع علم ، يعني ما يعلم به الشيء ، وإعلاء الله إياها ظاهر حيث جعلها في حق العباد ، وشرفها على غيرها . ومن جملة محاسن هذا التركيب أنه مشتمل على ما يلحق الجناس ، وهو شيئان :
أحدهما : أن يجمع اللفظين الاشتقاق ، نحو قوله : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ } [ الروم : 43 ] ( الروم : الآية 43 ) فإن أقم والقيم يرجعان في الاشتقاق إلى القيام .
والثاني : أن يجمعهما ما يشبه الاشتقاق وليس به ، نحو قَوْله تَعَالَى : { قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ } [ الشعراء : 168 ] ( الشعراء : الآية 168 ) فإن " قال " و " القالين " يشبه أن يكونا راجعين في الاشتقاق إلى أصل واحد ، وليس كذلك .