ولا يقضى بها دين ميت ، لأن قضاء دين الغير لا يقتضي التمليك منه لا سيما من الميت ولا يشتري بها رقبة تعتق ، خلافا لمالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - حيث ذهب إليه في تأويل قَوْله تَعَالَى : { وَفِي الرِّقَابِ } [ البقرة : 177 ] .
شرح
قلت : هذا وهم عليهما ، وليس مرادهما عمارة الجسور والطريق ، بل معناه إعطاء الزكاة لمن يبني الجسور والطريق من العشار الذين يقيمهم السلطان لأخذهم الزكاة والعشور ، وأن ذلك يسقط الغرض ، ووجه الوهم أنما قال : ما أعطيت من الجسور والطريق ، ولم يقولا في الجسور .
كذا في كتاب أبي عبيد ، وقد أصلحه بعض من نظر فيه فضرب على من والحق في ليستقيم الكلام على المعنى الذي توهمه ، ولم يعلم أن الرواية صواب ، وإنما الوهم في معناهما .
م : ( ولا يقضى بها دين ميت لأن قضاء دين الغير لا يقتضي التمليك منه ) ش : أي من الغير ، بدليل أن الدائن والمديون إذا تصرفا على أن لا دين بينهما ، وللمؤدي أن يسترد المقبوض من القابض فلم يصر هو ملكا للقابض ، وإنما قيده بقوله دين ميت ، فإنه لو قضى بها دين حي بأمره يجوز ، وتقع الزكاة كأنه تصدق على المديون ، والقابض وكيل في قبض الصدقة كذا في " شرح الطحاوي - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، وكذا الولوالجي لو أمر فقيرا بقبض دين له من زكاة ماله جاز ، لأنه قبض عينا والعين تجوز عن العين والدين جميعا ، أما لو تصدق بمال على الذي هو له عليه دين وهو فقير جاز عن ذلك ، ولم يجز عن العين ، لأن في الوجه الأول أدى المال الناقص عن الناقص فيجوز ، وفي الوجه الثاني أدى الناقص عن الكامل فلا يجوز . وقال أبو ثور وابن حبيب من المالكية : يقضي بها دين الميت ، وجعلاه من الغانمين ، والصحيح ما ذكرناه .
وبه قال الثوري ومالك والشافعي وأحمد م : ( لا سيما من الميت ) ش : كان في نسخة الأترازي وقع سيما بدون لا ، فقال : هذا على خلاف استعمال العرب ، لأن قياس كلامهم أن يقال لا سيما وهي من كلمات الاستثناء ، قال صاحب " المقتصد " : أما لا سيما فله وجهان ، أحدهما أن يقول كما في القوم لا سيما زائدة فيجر وتجعل ما زائدة ، كأنك قلت : لا سي زيد بمنزلة لا مثل زيد .
والوجه الثاني : أن تقول : لا سيما زيد فتجعل ما بمعنى الذي ، وزيد خبر مبتدأ محذوف كأنك قلت لا سي الذي هو زيد ، وقيل الجر بعد لا سيما كثير والرفع قليل ، وقد يجوز النصب وهو الأقل ، انتهى . وقال الميداني - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كتاب " الهادي للساري " : إن لا سيما كلمة تخصيص ، أي أخص ما يذكر بعده إذا قلت : أكرمني الناس ، لا سيما زيد أي خاصة زيد . م : ( ولا يشتري بها ) ش : أي بالزكاة م : ( رقبة تعتق ، خلافا لمالك حيث ذهب إليه ) ش : أي إلى جواز شراء العبد بالزكاة لأن يعتق ، وبه قال إسحاق وأبو ثور وعبد الله بن الحسن العنبري ، ورواه البخاري عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - م : ( في تأويل قَوْله تَعَالَى : { وَفِي الرِّقَابِ } [ البقرة : 177 ] ش :