يحيى البرمكي
لما تربع الرشيد على كرسي الخلافة الذي كان متربعا عليه من قبل أخوه الهادي وأبوه المهدي ، كان أول ما فعل أن أسند الوزارة إلى يحيى البرمكي اعترافا بجميله . . فقد كان مربيا له في صغره ، وكان الرشيد يناديه : يا أبت ، دلالة عل حبه والوفاء له . وكان يستشيره في جميع الأمور ما صغر وما كبر ، ومنحه سلطة مطلقة لتسيير أمور الدولة كما يرى . وكانت وزارته وزارة تفويص . والوزراة في الدولة الإسلامية تنقسم إلى قسمين وزارة تفويص ووزارة تنفيذ . . فوزير التفويض يستطيع أن يفعل ما يشاء من غير أن يرجع إلى خليفته ، وله الحق أن يولي من يشاء ويعزل من يشاء ، وأما وزير التنفيذ فليس له أن يفعل أمرا ابتداء من عند نفسه ، إنما يفعل ما يأمر به الخليفة .
وكان ليحيى هذا أبناء أربعة : الفضل وجعفر ، وموسى ، ومحمد . . وكلهم على جانب عظيم من الحنكة السياسية ، وولوا أعمالا عظيمة في الدولة واشتهر منه الفضل بن يحيى ، وجعفر بن يحيى .
اشتهر الفضل بالكرم الذي لا حد له ، وكان في ذلك في ذلك يفوق كل أهل بيته . واشتهر جعفر بالقرب الشديد من الرشيد ، وبالكرم دون كرم الفضل ، وبالبلاغة فوق بلاغة الفضل .
وقد فكر الرشيد طويلا في الايقاع بالبرامكة لعظم مكانتهم ، وخوفه من الثورة عيه من أجلهم ، فكان مما احتاط أن يشيع بين الناس كفرهم وزندقتهم ، وأنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ، وأن عندهم بعض بقايا من الآثار الوثنية ونحو ذلك حتى تكرههم العامة .
وربما كان من ذلك ما أشاعه من علاقة جعفر بالعباسية ووعد جعفر للرشيد ، بأن لا يقربها لأنه إلى ذلك العهد كانت الغيرة فاشية في الناس . فلما نكل بهم الرشيد لم يثر الناس وقابلوا الأمر بالهدوه .
وكان من أهم أسباب نكبة الرشيد بالبرامكة هو غيرته من سلطانهم وتحكمهم الزائد فيه ، وعلو شأنهم على شأنه . أما ما عداه من أسباب فكلها أسباب ثانوية .
ومما يؤيد هذا الرأي في أن السبب الأكبر في نكبة البرامكة غيرة الرشيد منهم ، وحبه لاسترجاع سلطانهم وأموالهم . . ما رواه الجهشياري من أن يحيى لما أحس من الرشيد
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 6
مساهمون: محمد دياب الإتليدي
ص٦