تولية الرشيد
كان من حسن حظ الرشيد أن لم تطل خلافة الهادي ، فمات سريعا ومات فجأة . . فلم يغير البيعة . وتولى الرشيد مكانه وجلس على العرش ، ونال حظوة عظمى . فلم يعرف الغرب عن الشرق كما عرف عن الرشيد ، وذلك أسباب كثيرة .
أولها : شدة العلاقة التجارية والسياسية بين الرشيد وملوك أوريا في ذلك العهد . وثانيها ما صورته كتب الأدب والشعر عن مجاس الرشيد . ثالثها القصص والحكايات التي روتها عنه ألف ليلة وليلة ، من صورة رائعة جذابة . . فقد صورت الرشيد تصويرا بديعا لطيفا ، كما صورت أسواق بغداد وكيف كانت تزخر بالسلع وكيف تتوارد عليها من كل مكان ، وكذلك حركة التجارة وكيف كانت نشطة مليئة بالحيوية والازدهار .
وكذلك صورت لنا مجالس الرشيد وما فيها من بذخ وثرف ، إلى غير ذلك مما يعد دعاية واسعة للرشيد .
* * *
من هم البرامكة
وقد حمل أعياء الخلافة عن الرشيد في أول عهده البرامكة فكان يرع إليهم في كل أمر ، ويحملون التبعات في كل شأن . . وأتسع سلطانهم وعلا شأنهم ، وقصدهم جميع الشعراء بالمدائح . وكانوا من حسن السياسة ما حببهم إلى الرعية ، وكل من هذه الأسرة اتخذ له صنائع بما غمرهم من أموال .
والبرامكة هؤلاء ينسبون إلى برمك . وبرمك هذا كان كاهن بيت النار في مدينة بلخ المسمى النو بهار . وهو معبد للديانة الزرادشتية . وكانت هذه الديانة مملوءة بالطقوس المعقدة وبالسحر وبالأسرار . فلما انتقلوا إلى الإسلام لم تخل صدورهم من آثار هذه العقيدة .
ولمرانتهم على النظم الفارسية الدقيقة ، خدموا المدينة الإسلامية خدمة كبرى بما نقل إليهم ولهم من كتب الفرس القديمة وعاداتهم وتقاليدهم ، كالتي نقلها الجاحظ في كتاب التاج .
ووضعوا أيديهم على مال الدولة كله . . حتى كان من شأنهم إذا أرادوا أن يتصرفوا في شيء منه ، وجدوه تحت أيديهم . وإذا أراد الرشيد وقصره أن يتصرف رجع في ذلك
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 4
مساهمون: محمد دياب الإتليدي
ص٤