طويلا قبل أن يعطيه الأمان ثم قال نعم . فلما انصرف عثمان قال الرسول
لمن حوله " ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيقتله " فقال رجل من الحاضرين
فهلا أومأت إلي يا رسول الله ! ! فقال الرسول : " إن النبي لا ينبغي أن تكون
له خائنة أعين " ( 1 ) وأصبح ابن أبي سرح طليقا ، ومن المؤلفة قلوبهم ، وبعد
موت الرسول مباشرة أصبح ابن أبي سرح من أصفياء الخلفاء ومن أهل
الحل والعقد وفي عهد عثمان أسندت إليه إمارة مصر وهي تاج الولايات
الإسلامية ، ومر حين من الدهر كان ابن أبي سرح هو الرجل الثالث في
الدولة الإسلامية ، مع أنه الأظلم بنص القرآن ، ومع أنه الذي افترى على الله
الكذب بنص القرآن ، ومع أنه موسوم بأنه عدو لله ولرسوله .
فكيف بربك يطبق الإسلام من كان هذا وضعه ، وكيف يعلم المصريين
دين الله .
هذه الكوادر الفنية التي حلت عرى الإسلام كلها ، وركزت المعالم
الواقعية لعصر ما بعد النبوة ، ومن خلال البرامج التربوية والتعليمية التي
فرضتها على المسلمين قرابة قرن من الزمان ، ومن خلال هذه المناهج
خلطوا الأوراق خلطا عجيبا ، فبدلوا وعدلوا ، وباعدوا الهون بين الواقع
المفروض وبين القانون الإلهي أو الشرعية الإلهية ، ولم يبق من الإسلام إلا
كتاب الله ، وأهل بيت النبوة ، لمواجهة برامج تربوية وتعليمية مدعومة من
دولة عظمي ، ومع اختلاط العرب بالأمم المغلوبة ، وامتزاج الحضارات
بدأت الأذهان بالتفتح ، وبدأ الناس يتساءلون عن حجم الهوة بين الواقع
والشرعية الإلهية ، فلم ير الخلفاء بدا من منع كتابة ورواية أحاديث
رسول الله حتى لا يقف الناس على الحقائق الشرعية وحجم التناقض الهائل
بين الواقع المفروض وبين أحكام الشريعة الإلهية ! !
هامش
( 1 ) ترجمة ابن أبي سرح في الاستيعاب ج 2 ص 378 ، والإصابة لابن حجر ج 2 ص 309 ، وأسد الغابة
ج 3 ص 173 .