اللذين خلفوا النبي بالرئاسة العامة هو التغلب والقهر ، فأي شخص يغلب
على الرئاسة العامة أو الخلافة يتقلدها ، والمتغلب أو القاهر شخص عادي
من جميع الوجوه ، فلم يدع أحد من الخلفاء بدءا من الأول وانتهاء بآخر
خلفاء بني عثمان بأنه الأعلم والأفضل والأتقى والأقرب لله ولرسوله ، بل
صرح أول الخلفاء قائلا : " فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم . . . " ( 1 ) .
فالخليفة الأول صدق في ما قال ، واعترف صراحة وضمنا بأن بين
المخاطبين من هو أعلم وأفضل وأقرب لله ولرسوله منه ، ومع هذا فقد تولى
الخلافة رسميا لأنه الغالب ، وعلى الأمة أن تقبل ذلك شاءت أم أبت ، وأن
تبايعه راضية أو كارهة لأنه غالب ، ولنفترض أن جماعة من المسلمين قد
رفضت بيعته ، فليس بينه وبينها إلا السيف ، فمن يغلب فهو الخليفة وهو
القائم مقام الرسول ( 2 ) ولتبرير ذلك قالوا بجواز إمامة المفضول عند عارض
يمنع من نصب الفاضل ( 3 ) وقال القاضي في المواقف : جوز الأكثرون إمامة
المفضول مع وجود الفاضل إذ لعله أصلح للإمامة من الفاضل . . . وقال
الشريف الجرجاني : كما إذا فرض أن العسكر والرعية لا ينقادون للفاضل
بل للمفضول ( 4 ) .
فحسب قواعد القانون الإلهي فإن الإمام من بعد النبي هو علي بن
أبي طالب ، ومن المفترض أن تنقاد له الأمة لأن الله قد اختاره وأعلنه
رسوله ، ولكن تتحرك فئة معينة لا يعجبها هذا الاختيار فتدعي أن الناس لا
ينقادون لهذا الذي اختاره الله ورسوله ثم تستقطب الناس حولها ، ثم تنصب
خليفة ، وتجير الناس على بيعة هذه الخليفة ثم تدعي أن الفتنة قد انقطعت
هامش
( 1 ) الطبقات لابن سعد ج 2 ف 2 ص 78 طبعة ليدن .
( 2 ) الأحكام السلطانية للماوردي ص 7 - 8 و 7 - 11 ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 15 .
( 3 ) التمهيد للباقلاني تحقيق عماد الدين أحمد حيدر ص 494 ، والسنة بعد الرسول للسيد علي
الشهرستاني ، تراثنا عدد 59 و 60 ص 118 .
( 4 ) شرح المواقف ج 3 ص 379 ، وانظر المرجعين السابقين .