تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4682

مساهمون:

ص٤٦٨٢
منه ، ولا يتم له ذلك إلا بعدم التشدد فيما هو دونه ، وهو يعلم أنه لو تشدد في ذلك الدون ، لوقع هو وذلك الذي هو أشد منه وأشنع وأفظع ، كما يحكى عن بعض أهل المناصب الدينية أن سلطان وقته أراد ضرب عنق رجل لم يكن قد استحق ذلك شرعًا ، فما زال ذلك العالم يدافعه ويصاوله ويحاوره ، حتى كان آخر الأمر الذي انعقد بينهما ، على أن ذلك الرجل يضرب بالعصا على شريطة اشترطها السلطان ، وهو أن يكون الذي يضربه ذلك العالم ، فأخرج الرجل إلى مجمع الناس الذين يحضرون في مثل ذلك للفرجة ، فضربه ضربات فتفرق ذلك الجمع ، وهم يشتمون أقبح شتم ، وهم غير ملومين ؛ لأن هذا في الظاهر منكر ، فكيف يتولاه من هو المرجو لإنكار مثل ذلك ؟ ولو انكشفت لهم الحقيقة ، واطلعوا على أنه بذلك أنقذه من القتل ، وتفاداه بضرب العصا ، عن ضرب السيف ، لرفعوا أيديهم بالدعاء له ، والترضي عنه . ويظن الجهول قد فسد الأمر . . . وذاك الفساد عين الصلاح ومن هذا القبيل ، ما حكاه صاحب الشقائق أن سلطان الروم أمر بقتل جماعة كثيرة من أهل الأسواق ؛ لكونهم لم يمتثلوا ما أمر به [ 6 ب ] من تسعير بعض البضائع ، فخرج السلطان ، وقد صفوا للقتل ، فقام بعض العلماء ، وقرب من السلطان وهو راكب ، فقال : هؤلاء لا يسوغ قتلهم في الشريعة ، فذكر له السلطان أنهم خالفوا أمره ، وأنه لا عذر من قتلهم ، فقال العالم : هم يذكرون أنه لم يبلغهم ما عزم عليه السلطان ، فوقف السلطان مركوبه ، وقد ظهر عليه من الغضب ، ما ظهر أثره ظهورًا بينًا ، وقال : ليس هذا من عهدتك ، فقال : لا : هو من عهدتي ، لأن فيه حفظ دينك ، وهو من عهدتي ، فأطلقهم السلطان وسلموا . فانظر ؛ هذا العالم وبصره في إنكار المنكر ، فإنه لو قال له ابتداء ، إن مخالفة أمرك لا توجب عليهم القتل ، لكان ذلك القول مما يوبقهم ، لا مما يطلقهم ، ولو سكت عند قول السلطان ليس هذا من عهدتك ، لقتلوا ، لكنه جاء بوسيلة مقبولة ، تؤثر في النفس أعظم تأثير .