تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4684

مساهمون:

ص٤٦٨٤
فكيف إذا كانوا لا يسمعون إلا خيرًا ، ولا يعدد المعددون إلا مناقبًا ، فما أحق من كان ذا عقل ودين ، أن لا يرفع إلى مخرقتهم رأسًا ، ولا يفتح لخزعبلاتهم أذنًا ، كما قلت من أبيات ( 1 ) [ فما ] ( 2 ) الشم الشوامخ عند ريح . . . تمر على جوانبها تمود ولا البحر الخضم يعاب يومًا . . . إذا بالت بجانبه القرود اجتمعت ، في أيام الطلب ، بجماعة من أهل العلم ، فسمعت من بعض أهل العلم الحاضرين ، ثلبًا شديدًا لوزير من الوزراء ، فقلت للمتكلم : أنشدك الله يا فلان ، أن تجيبني عما أسألك عنه وتصدقني ، قال : نعم ، قلت له : هذا الثلب الذي جرى منك ، هل هو لوازع ديني تجده من نفسك ، لكون هذا الذي تثلبته ارتكب منكرًا ، أو اجترى على مظلمة أو مظالم ؟ أم لكونه في دنيا حسنة وعيشة رافهة ؟ ففكر قليلاً ، ثم قال : ليس ذلك إلا لكون الفاعل ابن الفاعل ، يلبس الناعم من الثياب ، ويركب الفاره من الدواب ثم عدد من ذلك أشياء ، فضحك الحاضرون ، وقلت له : أنت إذن ظالم له ، تخاطب بهذه المظلمة بين يدي الله ، وتحشر مع الظلمة في الأعراض ، وذلك أشد من الظلم في الأموال ، عند كل ذي نفس حرة ومريرة مرة ، وبهذا يقول قائلهم : يهون علينا أن تصاب جسومنا . . . وتسلم أعراض لنا وعقول [ 7 ب ] وبالجملة ، فإني أظن أن الظلمة في الأعراض ، أجرأ من الظلمة في الأموال ، لأن ظالم المال قد صار له وازع على الظلم ، وهو المال ، الذي به قيام المعاش ، وبقاء الحياة ، ثم قد حصل له من مظلمته ما ينتفع به في دنياه ، وإن كان سحتًا يحتاجه حرامًا . وظالم الأعراض لم يقف إلا على الخيبة والخسران ، مع كونه فعل جهدًا من لا جهد له ، وذلك مما تنفر عنه النفوس الشريفة ، وتستصغر فاعله الطبائع العلية ، والقوى الرفيعة .
هامش
( 1 ) الشوكاني في ديوانه ( ص 124 ، 125 ) . ( 2 ) في الديوان وما .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4684 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق