ولو في بعض الأحوال ، هل يجوز قبول ما يجعلونه منه لأهل المناصب ؟ .
قلت : نعم ، للحديث السابق أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قال لعمر : " ما أتاك من هذا المال ، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ، وما لا فلا تتبعه نفسك " ( 1 ) . وثبت أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فرض الجزية على أهل الكاتب ، وكانت من أطيب المال داخله ، مع أن في أموالهم ما هو أثمان من الخمر والخنزير ، ومن الربا فإنهم يتعاملون به ، وصح عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أنه استقرض من يهودي طعامًا ، ورهن درعه . فيأخذ من له جراية من بيت مال المسلمين ما يصل إليه منه من غير كشف عن حقيقته ، إلا أن يعلم أن ذلك هو الحرام بعينه ، على أن هذا الحرام الذي أخذه السلطان من الرعية على غير وجهه ، قد صار إرجاعه إلى مالكه مأيوسًا ، وصرفه في أهل العلم والفضل واقع في موقعه ، ومطابق لمحلة ، لأنهم مصرف للمظالم ، بل أحسن مصارفها .
ثم هذا المزري على من يتصل بسلاطين الإسلام ، من أهل العلم والفضل ، قد لزمه لزومًا بينًا ، أن يتناول هذا الطعن كل من اتصل بسلاطين الإسلام ، منذ انقراض خلافة النبوة إلى الآن ، فإنه لا بد في كل زمان من طعن طاعن ، ولا بد أيضًا من صدور ما ينكر من أهل الولايات ، وإن كثر منهم ما يعرف ، ولهذا يقول الصادق المصدوق : " الخلافة بعدي ثلاثون عامًا ثم تكون ملكا عضوضًا " ( 2 ) كما تقدم . ولا بد للملك العضوض من أن يصدر عنه ما ينكر ، ولو نادرًا ، ولهذا لم تتفق الكلمة من جميع الناس ، على براءة ملك من ملوك الأرض ، من تلبسه بنوع من أنواع الجور ، واتصافه بالعدل المطلق ، الذي لم تشبه شائبة ، ولا قدحت فيه قادحة : إلا عمر بن عبد العزيز رحمه الله .
هامش
( 1 ) تقدم آنفًا .
( 2 ) تقدم تخريجه .
وانظر " فتح الباري " ( 8 / 77 ) .