ولا يمكن حصر عدد من يتصل - من أهل العلم والفضل - ، بسلاطين قرن من القرون ، بل بسلاطين بعض القرن في جميع الأرض ، ونحن نعلم علمًا يقينًا ، أنه لا بد لكل ملك وإن كانت ولايته خاصة بمدينة من مدائن الإسلام ، فضلاً عن قطر من الأقطار فضلاً عن كثير من الأقطار ، أن يكون معه جماعة ممن يلي المناصب الدينية ، وإلا لم يستقم له أمر ، ولا تمت له ولاية ، ولا حصلت له طاعة ، ولا انعقدت له بيعة يعلم هذا كل عاقل من المسلمين [ 6 أ ] فضلاً عن أهل العلم منهم .
وإذا كان الأمر هكذا ، فكم لهذا الطاعن المشئوم من خصوم ، قد لا يعد لأحقرهم قدرًا ، وأقلهم علمًا وفضلاً وهو لا يخرج عن قسمين :
إما أن يكون من قسم المغتابين ، أو قسم الباهتين ، ولهذا يقول الصادق المصدوق - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " إن كان فيه ما تقوله فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقوله فقد بهته " ( 1 ) ، فهو واقع في المأثم العظيم ، والذنب الوخيم ، على كل تقدير وفي كل حالة .
ثم هذا المزري على من يتصل بسلاطين الإسلام ، من أهل العلم والفضل القائمين بالمناصب الدينية ، قد وقع في إساءة الظن بجميع من اتصل بهم على الصفة التي بيناها ، من دخول جميع هذا الجنس تحت سوء ظنه ، وباطل اعتقاده ، وزائف خواطره ، وفاسد تخيلاته ، وكاسد تصوراته ، وفي هذا ما لا يخفى من مخالفة هذه الشريعة المحمدية ، والطريقة الإيمانية . ومع هذا فالمتصل بهم من أهل المناصب الدينية ، قد يغضي في بعض الأحوال عن شيء من المنكرات ، لا لرضًا به ، بل لكونه قد اندفع بسعيه ما هو أعظم
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2589 ) وأبو داود رقم ( 4874 ) والترمذي رقم ( 1934 ) وقال : حسن صحيح . وأحمد ( 2 / 230 ، 384 ) والدارمي ( 2 / 299 ) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - .
* بهته : أي كذبت وافتريت عليه .
" النهاية " ( 1 / 165 ) .