ولا شك أن مساعدته في مخالفة أمر السلطان ، وعدوله إلى أنه لم يبلغهم الأمر ، إذا سمعها من لا يعرف الحقائق ، أنكر عليه وقال وكيف يكون أمر السلطان في تسعير بضاعة أو نحو ذلك موجبًا لقتل من لم يمتثل ، وعد ذلك من المداهنة ، وعدم التصميم على الحق ، ولو عقل ما عقله ذلك العالم الصالح ، لعلم أنه قد جارى السلطان مجاراة كانت سببًا لسلامة جماعة كثيرة من المسلمين ، ولو لم يفعل ذلك لقتلوا جميعًا .
إذا عرفت هذا ، وتبين لك أن الأفعال المخالفة للشريعة ، في بعض الحالات ، وكذلك الأحوال التي تكون ظاهرة المخالفة قد تكون على خلاف ما يقتضيه الظاهر ، ومتبين أنها من أعظم الطاعات ، وأحسن الحسنات ، فكيف ما كان منها محتملاً ؟ هل ينبغي لمسلم أن يسارع بالإنكار ، ويقتحم عقبة المحرم من الغيبة أو البهت وهو على غير ثقة من كون ما أنكره منكرًا ، وكون ما أمر به معروفًا ؟ وهل هذا إلا الجهل الصراح ، أو التجاهل البواح ؟ .
دع هذا ، وانتقل عنه إلى شيء لا يحمل عليه الجهل ، بل مجرد الحسد أو المنافسة ، كما هو الغالب ، على ما تقدم بيانه ، فإن أهل المناصب الدينية من القضاة ونحوه ، إذا اشتغل صاحبه بما وكل إليه ، وتجنب ما فيه عمل الملوك وأعوانهم ، من تدبير المملكة ، وما يصلحها وما تحتاج إليه ، ويقوم بجندها ، وأهل الأعمال فيها ، إلا إذا اقتضى [ 7 أ ] الحال الكلام معهم فيما يوجبه الشرع ، من أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، والقيام في ذلك بما تبلغ إليه الطاقة ، ويقتضيه طبع الوقت ، فهل مثل هذا حقيق من عباد الله الصالحين ، بالدعوات المتكررة بالتثبيت والتسديد ، واستمداد الإعانة من رب العالمين ، أم هو حقيق بالثلب والاغتياب ، خبطًا وجزافًا وحسدًا ومنافسة ، وهل هذا شأن الصالحين من المؤمنين أم شأن إخوان الشياطين ؟ كما قال الشاعر :
إن سمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا . . . شرًا أذاعوا وإن لم يسمعوا أفكوا
وكما قال :
إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحًا . . . عني وما سمعوا من صالح دفنوا
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4683
مساهمون: محمد بن علي الشوكاني
ص٤٦٨٣