تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4668

مساهمون:

ص٤٦٦٨
ينافي ما هو فيه من القربة ، أخذ ما يحتاج إليه من بيت مال المسلمين ، وما زال عمل المسلمين على هذا منذ قامت الملة الإسلامية إلى الآن ، مع كل ملك من الملوك ، فجماعة يلون لهم القضاء ، وجماعة يلون لهم الإفتاء ، وجماعة يلون لهم على البلاد التي إليهم ، وجماعة يلون لهم إمارة الجيش ، وجماعة يدرسون في المدارس [ 2 أ ] الموضوعة لذلك ، وغالب جراياتهم من بيت المال ( 1 ) . فإن قلت : قد يكون من الملوك من هو ظالم جائر ، قلت نعم ، ولكن هذا المتصل بهم لم يتصل بهم ليعينهم على ظلمهم وجورهم ، بل ليقضي بين الناس بحكم الله ، أو يفتي بحكم الله ، أو يقبض من الدعاوي ما أوجبه الله ، أو يجاهد من يحق جهاده ، ويعادي من تحق عداوته ، فإن كان الأمر هكذا ، فلو كان الملك قد بلغ من الظلم إلى أعلى درجاته ، لم يكن على هؤلاء من ظلمه شيء ، بل إذا كان لأحدهم مدخل في تخفيف الظلم ، ولو أقل قليل ، أو أحقر حقير ، كان مع ما هو فيه من المنصب مأجورًا أبلغ أجر ؛ لأنه قد صار - مع منصبه - في حكم من يطلب الحق ، ويكره الباطل ، ويسعى بما تبلغ إليه طاقته في دفعه ، ولم يعنه على ظلمه ، ولا سعى في تقرير ما هو عليه ، أو تحسينه ، أو إيراد الشبه في تجويزه ، فإن أدخل نفسه في شيء من هذه الأمور ، فهو في عداد الظلمة ، وفريق الجورة ، ومن جملة الخونة . وليس كلامنا فيمن كان هكذا ، إنما كلامنا فيمن قام بما وكل إليه من الأمر الديني ، غير مشتغل بما هم فيه ، إلا ما كان من أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، أو تخفيف ظلم أو تخويف من عاقبته أو وعظ فاعله بما يندفع فيه بعض شره ، وكيف يظن بحامل علم ، أو بذي دين ، أن يداخل الظلمة فيما هو ظلم ، وقد تبرأ الله سبحانه إلى عباده من الظلم ، فقال : { وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ( 2 ) ، وقال : { وما ربك
هامش
( 1 ) انظر الرسالة رقم ( 142 ) . ( 2 ) [ النحل : 118 ] .