فإن الخلفاء الراشدين يجعلون لأنفسهم نصيبًا من بيت المال ( 1 ) يقوم بما يحتاجون إليه لأنفسهم ، ولمن يعولون ، على وجه العدل ، وعلى طريقة الزهد ، وهم أزهد العباد في الدنيا وفي الاشتغال بها . كذلك من كان منهم بعد انقضاء خلافة النبوة ، التي يقول فيها الصادق المصدوق : " الخلافة بعدي ثلاثون عامًا ، ثم تكون ملكًا عضوضًا " ( 2 ) ، فإن هذه المدة انقضت بخلافة الحسن السبط - رضي الله عنه - ، ثم كانت من بعده ملكًا عضوضًا ، وفيها ، أعني المدة التي بعد انقضاء مدة الخلافة القيام بحفظ بيضة الإسلام ، وجهاد الكفار ، وفتح ما لم يكن قد فتح من الأقطار ، وكان الصحابة رضي الله عنهم ، يقصدون من بيده أمر المسلمين ، ويطلبون منه ما لهم فيه حق من بيوت الأموال التي بيده ، وذلك هو من طلب الرزق ، ويقبلون منه ما يعطيهم ، من غير كشف عن حقيقة الحال ، وهكذا من بعدهم من التابعين ، وكان هذا حال خير القرون ، ثم الذين يلونهم ، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة ( 3 ) .
[ الحاكم له أعوان ]
وكان من أهل هذين القرنين من يلي للقائمين بالأمر الأعمال من قضاء وإمارة على بعض البلاد ، وإمارة على جيش ، ولا ينكر هذا منكر ، ولا يخالف فيه ، وهذا هو نوع من أنواع طلب الرزق . وإن كان العمل قربة كالقاضي ، وأمير جيش الجهاد ، فإنه لا
هامش
( 1 ) انظر الرسالة رقم ( 142 ) .
( 2 ) أخرجه الترمذي رقم ( 2226 ) وأبو داود رقم ( 4646 ) و ( 4647 ) وأحمد ( 5 / 221 ) وابن حبان رقم ( 6657 ) والبيهقي في " الدلائل " ( 6 / 341 ) والطيالسي رقم ( 1107 ) والحاكم ( 3 / 145 ) من طرق . من حديث سفينة عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " الخلافة ثلاثون سنة وسائرهم ملوك ، والخلفاء والملوك اثنا عشر " . وهو حديث صحيح .
قال ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " ( 35 / 18 ) : وهو حديث مشهور من رواية حماد بن سلمة وعبد الوارث بن سعيد . والعوام بن حوشب وغيره ، عن سعيد بن جهمان ، عن سفينة عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . .
( 3 ) تقدم تخريجه مرارًا وهو حديث صحيح .