تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
وجل - ، وهم بذلك في لذة غير منقطعة ، ولا لذة جسمانية عندهم ، ولا يدركونها ، لأنه ليس لهم حواسي مثلنا يدركون به ما ندرك نحن ، وكذلك نحن إذا تزكى منا من تزكى ، وصار بتلك الدرجة بعد الموت لا يدرك اللذات الجسمانية ، فلا يريدها كما لا يريد الملك عظيم الملك أن ينخلع من ملكه ليرجع يلعب بالكرة في الأسواق . وقد كان في زمان ما بلا محالة يفضل اللعب بتلك الكرة على الملك ، وذلك في حين صغر سنه عند جهله بالأمرين جميعا ، كما نفضل نحيط اليوم اللذة الجسمانية على النفسانية . وإذا تأملت أمرها بين اللذتين نجد خساسة اللذة الواحدة ، ورفقه الثانية ، ولو في هذا العالم . وذلك أنا [ 7 ] نجد أكثر الناس يحملون أنفسهم وأجسامهم من الشقاء والتعب ما لا مزيد عليه ، كي ينال رفعة ، أو يعظمه الناس ، وهذه اللذة ليست بلذة طعام أو شراب ، وكذلك كثير من الناس يؤثر الانتقام من عدوه على كثير من لذات الجسم ، وكثير من الناس يجتنب أعظم ما يكون من اللذات الجمسمانية خشية أن يناله في ذلك جزاء ، أو خشية من الناس . فإذا كانت حالتنا في هذا العالم الجسماني هكذا فناهيك بالعالم النفساني ، وهو العالم المستقبل الذي تعقل أنفسنا من الباري فيه مثلما تعقل الأجرام العلوية أو أكثر ، فإن تلك اللذة لا تتجزأ ، ولا تتصف ، ولا يوجد مثل تمثل تلك اللذة ، بل كما قال النبي داود متعجبا من عظمتها : ما أكثر وما أجزل خيرك الذي خبأته للصالحين الطائعين لأمرك ! . وهكذا قال العلماء : العالم المستقبل ليس فيه لا أكل ولا شرب ولا غسل ولا دهن ولا نكاح ، بل الصالحون باقون فيه ، ويستلذون من نور الله تعالى ، يريدون بذلك أن تلك الأنفس تستلذ مما تعقل من الباري كما تستلذ سائر طبقات الملائكة مما عقلوا من وجوده - سبحانه - فالسعادة والغاية القصوى هي الوصول إلى هذا الملأ الأعلى ( 1 ) ،
هامش
( 1 ) والمسلمون أثبتوا جميع أنواع اللذات : سطعا ، وبصرا ، وشما وذوقا ولمسا ، للروح والبدن جميعا وكان هذا هو الكمال : لا ما يثبته أهل الكتاب ومن هو شر منهم من الفلاسفة الباطنية ، وأعظم لذات الآخرة لذة النظر إلى الله سبحانه وتعالى . كما قي الحديث الصحيح : " فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه أخرجه مسلم رقم ( 297 ) والترمذي رقم ( 2552 ) وابن ماجة رقم ( 187 ) وهو حديث صحيح . وهو نمرة معرفته وعبادته في الدنيا ، فأطيب ما في الدنيا معرفته ، وأطيب ما في الآخرة النظر إليه سبحانه ولهذا كان التجلي يوم الجمعة في الآخرة على مقدار صلاة الجمعة في الدنيا . " مجموع فتاوى " لابن تيمية ( 14 / 163 ) . " .