النفيس يتحصل في أبحاث :
البحث الأول : إن هذا اللفظ - أعني : " لا عهد لظالم " - لم يكن من كلام النبوة ، ولا من كلام أحد من الصحابة ، ولا من كلام أحد من أهل العلم الذين هم أهله ، وإنما هو جرى في هذه الديار على ألسن كثير من العوام ، فاستروح إليه من يريد الغدر في عهده ، والنكث في عقده ، والحنث في يمينه ، وهو استرواح إلى الباطل البحت ، وركون على السراب ، وتشبث بالهباء ، وكل من لديه أدنى علم وأحقر عرفان يعلم أن هذه العهود والعقود التي شدد الله سبحانه في كتابه العزيز في الوفاء بها ، ويهدد ويوعد من نكث عهده وغدر في عقده في مواضع كثيرة ، منها ما ذكره السائل - كثر الله فوائده - هي واردة في معاهدة المشركين ومعاقدة الكافرين ، لا خلاف في ذلك ، كما تدل عليه أسباب النزول ، وأهل الشرك هم أهل الظلم الكامل البالغ إلى أعلى المبالغ ، ولهذا يقول الله سبحانه : { إن الشرك لظلم عظيم } ( 1 ) ولا شك أن الاعتبار بعموم اللفظ ( 2 ) لا بخصوص السبب ، فتشمل الآيات والأحاديث المعاهدة للمسلمين ، والمعاقدة لأهل الظلم منهم ، بل تناولها للمعاهدة للمسلمين هو من باب فحوى الخطاب وقياس الأولى ؛ لأن المسلم أولى أن يحفظ عهده والوفاء بعقده من المشرك ، وإذا لم يسوغ شرك المشرك وظلمه النقض لعهده ، والغدر بعقده وعدم الوفاء له ، فكيف يجوز ذلك في عهد المسلم وعقده ؟ وبالجملة فهذا معلوم بأدلة الكتاب ( 3 ) والسنة وبإجماع المسلمين
هامش
( 1 ) [ لقمان : 13 ] .
( 2 ) انظر : " الكوكب المنير " ( 3 / 177 ) ، " اللمع " ص 22 .
( 3 ) قال تعالى : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ) [ النحل : 91 ] .
قال تعالى : ( إنما يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ) [ الرعد : 19 - 20 ] ، قال تعالى : ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [ الرعد : 25 ] .