تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1816

مساهمون:

ص١٨١٦
عليه في شعاب الأماني وهضاب التسويف ؛ فصار مقهورًا بتفريطه ، مستعبدا بترخيصه ، ولو زجرها بزواجر التقوى ، وربطها برباط القنوع ، وضربها بعصا الزهد ، لكان قاهرا لها لا مقهورا بها ، وحاكما عليها لا محكوما عليه منها . وفي هذا العالم الإنساني من صلحاء العباد من هو لما ذكرناه شاهد صدق ، وهذا يجده كل عاقل من نفسه ، فإنه إذا استرسل في شهوة من الشهوات ، أو خلى بين نفسه وبين لذة من اللذات ، وجد من نفسه ميلا إليها ورغوبا فيها لم يكن قد وجده قبل ذلك . على أنه لو قال قائل : إن حب ما لا تتم الحياة إلا به في هذه الدنيا [ 6 أ ] ليس هو أمرا [ 11 ] جبليا ، بل هو أمر دعت إليه الضرورة ، فإن الحياة ما دامت لا بد لصاحبها من تناول ما يسد به رمقه ، ويدفع به جوعته ، ويزيل به ضرورته ، وهذا أمر دعت إليه الضرورة ؛ لأنه محبوب حبا جبليا ، فإنه لو كان كذلك لم يعف الإنسان شيئا من ذلك ، مع أنه إذا تناول ما يكفيه من طعام أو شراب أو نكاح لم يكن ذلك محبوبا إليه في تلك الحال ، فتناول ما دعت إليه الضرورة من الدنيا مما هو سائغ ، وليس بقبيح عقلا ، ولا شرعا ، لو فرضنا أنه من حب الدنيا لا من ضرورة الحاجة إليه لكان مأذونا فيه بالأدلة الثابتة في الكتاب ( 1 ) والسنة ( 2 ) القاضية بأن ذلك مأذون فيه ، فيكون الحب الذي هو رأس كل خطيئة ما زاد على ذلك . فحاصل هذا الجواب هو أنا نمنع أن يكون الإنسان مجبولا على محبة شيء من الدنيا ،
هامش
( 1 ) منها قوله تعالى : ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ) [ القصص : 77 ] . ( 2 ) منها ما أخرجه النسائي ( 7 / 61 رقم 3939 ) ، وأحمد ( 3 / 128 ، 199 ، 285 ) ، والحاكم في " المستدرك " ( 2 / 160 ) ، والبيهقي في " السنن الكبرى " ( 7 / 78 ) من طرق : عن أنس قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حبب إلي من الدنيا النساء والطيب ، وجعل قرة عيني في الصلاة " ، وهو حديث صحيح .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1816 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق