تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
الخبر ، فخرّ مَغِشِيًّا عَلَيْهِ ، فلم يُفِقْ إلّا بعد ساعة ، وذلك لرقَّة قلبه وشدَّة اهتمامه بالدّين وأهله . وسمعتُ ولده يَقُولُ : إنّه كَانَ يؤثر بما عنده لأقاربه وغيرهم ، وكان كثيرًا ما يتصدّق ببعض ثيابه ، ويبقى مُعْوزًا ويكون بِجُبَّةٍ في الشّتاء بغير ثوب من تحتها يتصدّق بالتّحتانيّ ، وكثيرًا من وقته بلا سراويل . وكانت عمامته قطعة بطانة ، فإذا احتاج أحد إِلى خرقة أو مات صغيرٌ قطع منها لَهُ ، ويلبس الخشن ، وينام عَلَى الحصير ، وربّما تَصَدَّق بالشّيء وأهله محتاجون إِلَيْهِ أكثر ممّن أخذه . قَالَ الضّياء : وكان ثوبه إِلى نصف ساقه وكمّه إِلى رُسغه ، سَمِعْتُ والدتي تَقُولُ : مكثنا زمانًا لا يأكل أهل الدّير إلّا من بيت أخي ؛ تطبخ عمّتك ويأكل الرجال جميعًا والنّساء جميعًا . قَالَ : وكان إذَا جاء شيء إِلى بيته ، فرّقوه عَلَى الخاصّ والعامّ ، وسمعت محمود بْن همام الفقيه يَقُولُ : سَمِعْتُ أبا عُمَر يَقُولُ : النّاس يقولون : لا علم إلا ما دخل مع صاحبه الحمّام . وأنا أقول : لا علمَ إلّا ما دخل مع صاحبه القبر . ومن كلامه : إذَا لم تتصدّقوا لم يتصدَّق أحدٌ عنكم ، والسائل إن لم تعطوه أنتم أعطاه غيرُكم . وكان يُحبّ اللّبن إذَا صُفّي بخِرْقة ، فعُمِل لَهُ مرة فلم يأكله ، فقالوا لَهُ في ذَلِكَ ، فَقَالَ : لحُبّي إيّاه تركتُه . ولم يذقه بعد ذَلِكَ . سَمِعْتُ أبا العَبَّاس أَحْمَد بْن يونس بْن حسن ، قَالَ : كُنّا نزولًا عَلَى بيت المقدس مَعَ الشّيخ أَبِي عُمَر وقتَ حصار المسلمين لها مَعَ صلاح الدّين ، وكان لنا خيمة ، وكان الشيخ أَبُو عُمَر قد مضى إِلى موضع ، وجعل يُصلّي فيها في يومٍ حارّ . فجاء المَلِك العادل فنزل في خيمتنا ، وسأل عَنِ الشيخ ، فمضينا إِلى الشيخ وعرفناه ، فقال : أيش أعمل به ؟ ! ولم يجئ إِلَيْهِ فمضى إِلَيْهِ عُمَر بْن أَبِي بَكْر وألحَّ عَلَيْهِ ، فَما جاء ، وأطال العادل القعودَ ، قَالَ : فرجعت إِلى الشيخ ، فَقَالَ : أنْزَل لَهُ شيئًا ، قَالَ : فوضعت لَهُ ولأصحابه أقراصًا كانت معنا فأكلوا وقعدوا زمانًا ولم يترك الشيخ صلاته ، ولا جاء . سَمِعْتُ أبا إِسْحَاق إِبْرَاهيم بْن مُحَمَّد بْن الأزهر يَقُولُ : ما رأيتُ أحدًا قطّ لَيْسَ عنده تكلُّف غير الشيخ أَبِي عُمَر . سَمِعْتُ شيخنا أبا إِسْحَاق إِبْرَاهيم بْن عَبْد الواحد ، قَالَ : سَمِعْتُ أخي