تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
بعد عشاء الآخرة آيات الحَرسَ لا يكاد يتركُها . وسمعتُ أَنَّهُ كَانَ إذَا دخل منزله قرأ " آية الكرسيّ " وعَوَّذ بكلمات ، وأشار بيده إِلى ما حوله من الدُّور والجبل يحوطها بذلك ، ولا ينام إلّا عَلَى وضوء ، وإنْ أحْدَثَ توضّأ ، وإذا أوى إِلى فراشه قرأ " الحمد " و " آية الكرسيّ " و " الواقعة " و " تبارك " و " { قل يا أيّها الكافرون } " ، وربّما قرأ " ياسين " ، ويُسَبّح ثلاثًا وثلاثين ، ويُحَمِّد ثلاثًا وثلاثين ، ويُكَبِّر أربعًا وثلاثين ، ويقول : " « اللّهمّ أسلمت نفسي إليك . . . » " الحديثَ ، وغير ذَلِكَ ، وكان يَقُولُ بين سُنَّة الفجر والفرض أربعين مرَّة : " يا حيُّ يا قَيومُ لَا إلّه إلَّا أنتَ " . وسمعتُ آسية بنت مُحَمَّد ابنة بنته تَقُولُ : كَانَ سَيّدي لا يترك الغُسْلَ يوم الجمعة ولا يكاد يومئذ يخرج إلّا ومعه شيء يتصدّق بِهِ ، رحمه الله تَعَالَى . سَمِعْتُ خالي الإِمام موفّق الدّين يَقُولُ : لمّا قدِمْنا من أرضِ بيت المقدس كُنّا نتردّد مَعَ أخي نسمع درس القاضي ابن عصرون في الخلاف ثُمَّ إننا انقطعنا ، فلقي القاضي لأخي يومًا ، فَقَالَ : لِمَ انقطعت عَنِ الاشتغال ؟ فَقَالَ لَهُ أخي : قَالُوا : إنّك أشعريّ . فَقَالَ : ما أَنَا أشعريّ ، ولكن لو اشتغلت عليّ سنة ما كَانَ أحد يكون مثلك ، أو قَالَ : كنت تصير إمامًا . قَالَ الضّياء : وكان رحمه الله يحفظ الخِرَقيّ ويكتبه من حفظه . وكان قد جمع الله لَهُ معرفةَ الفقه والفرائض والنّحو ، مَعَ الزُّهْد والعمل وقضاء حوائج النّاس . وكان يَحمل هَمَّ الأهل والأصحاب ، ومن سافر منهم يتفقد أهاليهم ، ويدعو للمسافرين ، ويقوم بمصالح النّاس ، وكان النّاس يأتون إِلَيْهِ في الخصومات والقضايا ، فيُصلح بينهم ، ويتفقّد الأشياءَ النّافعة كالنّهر ، والمصانع والسّقاية ، وكانت لَهُ هيبة في القلوب . وسألت عَنْهُ الإِمام موفّق الدّين ، فَقَالَ فيه : أخي وشيخنا ربّانا وعَلَّمنا وحَرَصَ علينا ، وكان للجماعة كوالدهم يَحْرَصُ عليهم ، ويقوم بمصالحهم ، ومن غاب عن أهله قام هُوَ بهم ، وهو الّذي هاجر بنا ، وهو الّذي سَفّرنا إِلى بغداد ، وهو الّذي كَانَ يقوم في بناء الدَّير ، وحين رجعنا من بغداد ، زوَّجنا ، وبنى لنا دُورنا الخارجة عَنِ الدَّير . وكان مُسارعًا إِلى الخروج في الغزوات قلّ ما يتخلّف عَنْ غزاة . سَمِعْتُ ولده أبا مُحَمَّد عَبْد الله يَقُولُ : إنّ الشيخ جاءته امرأة ، فشكت إِلَيْهِ أنّ أخاها حُبِس ، وأوذي ، فسقط مغشِيًّا عَلَيْهِ . ولمّا جرى للحافظ عَبْد الغنيّ مَعَ أهل البِدَع وفعلوا ما فعلوا ، جاءه