تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
الحافظ يَقُولُ : نحن إذَا جاء إنسان اشتغلنا بِهِ عَنْ عملنا ، وأمّا خالي أَبُو عُمَر فيه للدّنيا وللآخرة يخالط النّاس وهو في أوراده لا يخليها . سَمِعْتُ أبا أَحْمَد عَبْد الهادي بْن يوسف يَقُولُ : كَانَ الشيخ أَبُو عُمَر يقرأ بعضَ اللّيالي فربّما غشي عَلَى بعض النّاس من قراءته . وأمّا خُطَبه ، فكان إذا خطب تَرِقُ القلوبُ ، ويبكي بعض النّاس بكاءً كثيرًا ، وكان ربّما أنشأ الخطبة وخطب بها . وكان يُسَمِّعنا ويقرأ لنا قراءة سريعة من غير لحن . ولا يكاد أحد يقدم من رحلة إلّا قرأ عَلَيْهِ شيئًا من مسموعاته . وكتب الكثيرَ بخطّه المليح من المصاحف والكتب مثل " الحلية " لأبي نعيم ، و " الإبانة " لابن بطة ، و " تفسير " البغوي ، و " المغني " لأخيه . وسمعته يَقُولُ : ربّما كتبت في اليوم كرّاسين بالقطع الكبير . وكان يكتب لأهله المصاحفَ وللنّاسِ " الخِرَقيّ " بغير أجر . وقد سَمِعْتُ أنّ النّاس كانوا يأتون إِلَيْهِ يقولون : اكتُبْ لنا إِلى فلان الأمير . فيقول : لا أعرفه . فيقال : إنّما نريد بركةَ رقعتك . فيكتب لهم فتُقْبَل رقعتُه . وكان يكتب كثيرًا إِلى المعتمد الوالي وإلى غيره ، فَقَالَ لَهُ المعتمد : إنّك تكتب إلينا في قومٍ لا نريد أن نقبل فيهم شفاعة ، ونشتهي أن لا نردّ رقعتك . فَقَالَ : أمّا أَنَا ، فقد قضيتُ حاجتي ، إنّي قضيتُ حاجة مَن قصدني ، وأنتم إن أردتم أن تقبلوا رقعتي وإلّا فلا ، فَقَالَ لَهُ : لا نردها ، أو كما قَالَ . وكان الناسُ قد احتاجوا إِلى المطر ، فطلع إِلى مغارة الدَّم ومعه جماعة من محارمه النّساء ، فصلّى بهن ، ودعا في المطر حينئذ ، وجرت الأدوية شيئًا لم نره من مُدَّة . وسمعت أبا عَبْد الله بْن راجح يَقُولُ : كَانَ لِنور الدّين أخ استعان بالفرنج عَلَى أخيه ، ونور الدّين مريض ، فجاء الفرنج ، فخرجنا مَعَ الشيخ أبي عُمَر إِلى مغارة الدّم وقرأنا عشرة آلاف مرة " { قل هو الله أحد } " و " { إنا أنزلناه في ليلة القدر } " ودعونا ، فجاء مطر عظيم عَلَى الفرنج أشغلهم بنفوسهم ورَدُّوا . سَمِعْتُ عَبْد الله بْن أَبِي عُمَر ، حَدَّثَني ابن الصُّوريّ ، صديق والدي ، قَالَ : جئنا يومًا إِلى والدك ونحن جياع وكنّا ثلاثةً ، فأخرج لنا سكرجة فيها لبن ،