نعم . فصرنا إِلَيْهِ ، فأخرج جواري حِسَانًا صِباحًا ، ثمّ أخرج من خلَالهنّ جارية خَزَريّة دميمة ، فمس ذقنها وقال : اشتر لنا هذه . فقلت : هذه دميمة قبيحة لَا تصلُح . واللَاتي نظرنا إليهنّ يمكن شراءهنّ بثمن هذه . فقال : اشترها ، فإنيّ مسست ذَقْنها ، ولا أحبّ أن أمسّ جارية ، ثم لا أشتريها . فاشتراها بغلاء خمسمائة دِرهَم عَلَى ما قَالَ أهل المعرفة . ثم لم تزل عنده حتّى أخرجها مَعَه إلى نَيْسابور .
وروي بَكْر بْن منير ، وابن أَبِي حاتم ، واللفظ لبكر ، قَالَ : حُمِل إلى الْبُخَارِيّ بضاعة أنفذها إِلَيْهِ ابنه أَحْمَد . فاجتمع بِهِ بعض التّجّار وطلبوها بربح خمسة آلاف دِرْهم . فقال : ارجعوا اللّيلة . فجاءه مِنَ الغد تجّار آخرون فطلبوها منه بربح عشرة آلاف درهم ، فقال : أنّي نَوَيْت البارحةَ بَيْعَها للّذين أتوا البارحة .
وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت أبا عبد اللَّه يَقُولُ : ما ينبغي للمسلم أنْ يكون بحالةٍ إذا دعا لم يُستَجَبْ لَهُ . فقالت لَهُ امْرَأَة أخيه بحضرتي : فهل تبيَّنت ذَلِكَ أيّها الشّيخ من نفسك أو جرّبت ؟ قَالَ : نعم ، دعوت ربّي عزّ وجلّ مرَّتين ، فاستجاب لي ، فلن أحب أن أدعو بعد ذَلِكَ ، فلعلّه يُنْقِص من حسناتي أو يعجّل لي فِي الدُّنيا . ثمّ قَالَ : ما حاجة المسلم إلى البُخْل والكذِب ؟
وسمعته يَقُولُ : خرجت إلى آدم بْن أَبِي إياس ، فتخلَّفت عنّي نفقتي حتّى جعلتُ أتناول الحشيش ولا أُخبر بذلك أحدًا . فلمّا كَانَ اليوم الثالث أتاني آتٍ لم أعرفه ، فناولني صُرّة دنانير ، وقال : أنفق عَلَى نفسك .
وسمعت سُلَيْم بْن مجاهد يَقُولُ : ما رأيتُ بعيني منذ ستين سنة أفقه ولا أورع ولا أزهَد فِي الدُّنيا من محمد بْن إسماعيل .
فصل : فِي صفته وكرمه
قَالَ ابن عديّ : سَمِعْتُ الْحَسَن بْن الْحُسَيْن يَقُولُ : رَأَيْت محمد بْن إِسْمَاعِيل شيخًا نحيف الجسم لَيْسَ بالطّويل ولا بالقصير .
وقال محمد بْن أَبِي حاتم : دخل أبو عبد الله الحمّام بِفَربْر ، وكنتُ أنا في مشلح الحمّام أتعاهد ثيابه . فلمّا خرج ناولْتُهُ ثيابه فلبسها ، ثمّ ناولته الْخُفَّ ،
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 156
مساهمون: الذهبي
ص١٥٦