تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
تَقُولُ إني ما أتيت شيئًا بغير علم قطّ منذ عَقَلْت ، فما الفائدة فِي الاستلقاء ؟ قَالَ : أتعْبنا أنفُسنا اليوم ، وهذا ثغر مِنَ الثغور ، وخشيت أنْ يحدَّثَ حَدَثٌ من أمر العدو ، فأحببت أن أستريح وآخُذ أهْبة ، فإنْ غافَصَنا العدوّ كَانَ منّا حَرَاك . وكان يركب إلى الرَّمي كثيرًا ، فما أعْلُمني رَأَيْته فِي طُول ما صحِبْتُه أخطأ سُهمُه الهدفَ إلَا مرَّتين ، فكان يصيب الهدف فِي كلّ ذَلِكَ . وكان لَا يسبق . وسمعته يقول : ما أكلت كراثاً قطّ ولا القَنَابَرَى . قلت : ولِمَ ذاك ؟ قَالَ : كرهت أن أؤذي من معي من نتنهما . قلت : فكذلك البصل النيء ؟ قَالَ : نعم . وسمعته يَقُولُ : ما أردت أن أتكلّم بكلَامٍ فِيهِ ذِكْر الدُّنيا إلَا بدأت بحمد اللَّه والثناء عَلَيْهِ . وقال لَهُ بعض أصحابه : يقولون : إنّك تناولت فُلَانًا . قَالَ : سبحان اللَّه ، ما ذكرت أحدًا بسوء ، إلَا أن أقول ساهيًا . قَالَ : وكان لأبي عَبْد اللَّه غريم قطع عَلَيْهِ مالَا كثيرًا . فبلغه أَنَّهُ قدِم آمُلَ ونحن عنده بِفَربْر ، فقلنا لَهُ : ينبغي أن تعبر وتأخذه بمالك . فقال : ليس لنا أن نروعه . ثمّ بلغ غريمه فخرج إلى خوارِزْم ، فقلنا : ينبغي أن تقول لأبي سلمة الكشاني عامل آمُل ليكتب إلى خوارِزُم فِي أخْذه . فقال : إن أخذت منهم كتاباً طمعوا مني فِي كتاب ولست أبيع دِيني بدُنياي . فجهدْنا ، فلم يأخُذْ حتّى كلّمنا السُّلطان عَنْ غير أمْرِه ، فكتب إلى والي خوارِزْم . فلما بلغ أَبَا عَبْد اللَّه ذَلِكَ وَجَدَ وجْدًا شديدًا ، وقال : لَا تكونوا أشفق عليَّ مِن نفسي . وكتبَ كتابًا وأردف تِلْكَ الكُتُب بكُتُب . وكتب إلى بعض أصحابه بخوارِزْم أن لَا يتعرض لغريمه ، فرجع غريمه ، وقصد ناحية مَرْو ، فاجتمع التّجّار ، وأُخبِر السّلطان ، فأراد التّشديد عَلَى الغريم ، فكره ذَلِكَ أبو عبد الله فصالح غريمه عَلَى أنْ يعطيه كلّ سنة عشرة دراهم شيئًا يسيرًا . وكان المال خمسة وعشرين ألفًا . ولم يصل من ذَلِكَ المال إلى درهم ، ولا إلى أكثر منه . وسمعت أَبَا عَبْد اللَّه يَقُولُ : ما توليت شراء شيء قطّ ولا بَيْعه . قلت : فمن يتولى أمرك فِي أسفارك ؟ قَالَ : كنتُ أُكْفَى ذَلِكَ . وقال لي يومًا بِفَربْر : بلغني أنّ نَخّاسًا قدم بجَوارٍ ، فتصير معي ؟ قلت :