تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
فقال : مسستَ شيئًا فِيهِ شَعْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ . فقلت : فِي أيّ موضع هُوَ مِنَ الْخُفَّ ؟ فلم يخبرني ، فتوهّمت أنّه فِي ساقه بين الظِّهارة والبِطانة . وكانت لأبي عَبْد اللَّه قطعة أرض يُكْريها كلّ سنة بسبع مائة درهم . وكان ذَلِكَ المكتري ربّما حَمَلَ منها إلى أَبِي عَبْد اللَّه قِثَّاةً أو قثاتين ، لأنّه كَانَ مُعْجَبًا بالِقثّاء النَّضِيج ، وكان يؤثِرهُ عَلَى البّطيخ أحيانًا ؛ فكان يَهَب للرجل مائة دِرْهمٍ كل سنة لحمْله القِثّاء إِلَيْهِ أحيانًا . وسمعته يقول : كنت أستغل كل شهر خمسمائة دِرهم ، فأنفقت كلّ ذَلِكَ فِي طلب العلم . فقلت : كم بين مثل مَن ينفق عَلَى هذا الوجه ، وبين مَن كَانَ خِلْوًا مِنَ المال ، فجمع وكسب من العلم ؟ . وكنّا بِفَربْر ، وكان أبو عبد الله يبني رَباطًا ممّا يلي بُخَاري . فاجتمع بَشَرٌ كثير يُعينُونه عَلَى ذَلِكَ . وكان ينقل اللَّبنَ ، فكنت أقول له : إنّك تُكْفى . فيقول : هذا الَّذِي ينفعنا . ثمّ أخذنا ننقل الزَّنْبرات معه ، وكان ذبح لهم بقرةً ، فلمّا أدركت القُدُور دعا النّاس إلى الطّعام ، وكان بها مائة نفْس أو أكثر ، ولم يكن علِم أنّه اجتمع ما اجتمع . وكنّا أخرجنا معه من فِرَبْر خُبزًا بثلَاثة دراهم أو أقلّ ، فألقينا بين أيديهم ، فأكل جميعُ مَن حضَر ، وفضلت أرغِفة صالحة . وكان الخُبز إذ ذاك خمسة أَمْنَاء بدِرهم . وقال لي مرةً : أحتاج فِي السنة إلى أربعة آلاف أو خمسة آلاف درهم . وكان يتصدَّق بالكثير . يناول الفقير من أصحاب الحديث ما بين العشرين إلى الثّلَاثين ، وأقلّ وأكثر ، من غير أنْ يشعر بذلك أحد . وكان لَا يفارقه كيسه . ورأيته ناول رجلَا صُرّةً فيها ثلاثمائة درهم . وكنتُ اشتريت منزلَا بتسع مائة وعشرين درهمًا . فقال لي : ينبغي أن تصير إلى نوح الصَّيْرفيّ وتأخذ منه ألف درهم وتُحْضَرها . ففعلت ، فقال : خذها فاصرفْها فِي ثمِنَ البيت . فقلت : قد قبلتُ منك . وشكرته . وأقبلنا عَلَى الكتابة . وكنّا فِي تصنيف " الجامع " . فلمّا كَانَ بعد ساعةٍ ، قلت : عرضت لي حاجة لَا أجترئ رفْعَها إليك . فظنَّ أنّي طمعت فِي الزّيادة ، فقال : لَا تحتشمني وأخبرني بما تحتاج ، فإنيّ أخاف أن أكون مأخوذًا بسببك . قلت لَهُ : كيف ؟ قَالَ : لأنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْنَ أصحابه ،