تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا ، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ مِنْ دِينِهِمْ ، فَأَسْلِمْهُمْ إِلَيْهِمَا . فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ : لَاهَا اللَّهِ إِذَنْ لَا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْهِمَا ، وَلَا يَكَادُ قَوْمٌ جَاوَرُونِي ، وَنَزَلُوا بِلَادِي ، وَاخْتَارُونِي عَلَى من سواي ، حتى أدعوهم فأسألهم عما تقولان . فأرسل إلى الصحابة فدعاهم ، فلما جاؤوا وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ ، سَأَلَهُمْ فَقَالَ : مَا دِينُكُمْ ؟ فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرٌ ، فَقَالَ : أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فكنا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ ، وَنَخْلَعُ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا مِنَ الْحِجَارَةِ ، وَأَمَرَنَا بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ - وَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ - فَصَدَّقْنَاهُ وَاتَّبَعْنَاهُ ، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا ، وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا ، وَضَيَّقُوا عَلَيْنَا ، فَخَرَجْنَا إِلَى بِلَادِكَ وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عندك أيها الملك . قالت : فقال : وَهَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ؟ قَالَ جَعْفَرٌ : نَعَمْ ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ ( كهيعص ) فَبَكَى - وَاللَّهِ - النَّجَاشِيُّ حَتَّى اخْضَلَّ لِحْيَتُهُ ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ : إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ ، انْطَلِقَا ، فَلَا وَاللَّهِ لَا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْكُمَا وَلَا يُكَادُ . قَالَتْ : فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ عَمْرٌو : وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُمْ غَدًا بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ . فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي رَبِيعَةَ - وَكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا : لَا تَفْعَلْ ، فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحَامًا . قَالَ : وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى عَبْدٌ . ثُمَّ غَدَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَطَلَبَنَا ، قَالَتْ : وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا ، فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ ؟ قَالُوا : نَقُولُ - وَاللَّهِ - مَا قَالَ اللَّهُ كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا كَانَ . فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ : مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ؟ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : نَقُولُ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، وَرُوحُهُ ، وَكَلِمَتُهُ ، أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ . فَأَخَذَ النَّجَاشِيُّ عُودًا ثُمَّ قَالَ : مَا عَدَا عِيسَى مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ . فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ فَقَالَ : وَإِنْ نَخَرْتُمْ - وَاللَّهِ - اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي - وَالسُّيُومُ : الْآمِنُونَ - مَنْ سَبَّكُمْ