تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
غَرِمَ ، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبْرًا مِنْ ذَهَبٍ ، وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ ، رُدُّوا هَدَايَاهُمَا فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا ، فَوَاللَّهِ مَا أَخَذَ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس في فَأُطِيعُهُمْ فِيهِ . قَالَتْ : فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ . قَالَتْ : فَإِنَّا عَلَى ذَلِكَ ، إِذْ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا حزنا حزنا قط كَانَ أَشَدَّ عَلَيْنَا مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ ، تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى النَّجَاشِيِّ ، فَيَأْتِيَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ . فَسَارَ إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَرْضُ النِّيلِ ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ الْوَقْعَةَ ، ثُمَّ يَأْتِيَنَا بِالْخَبَرِ ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ : أَنَا ، فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ ، ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا يَلْتَقِي الْقَوْمُ ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ ، وَدَعَوْنَا اللَّهَ تَعَالَى لِلنَّجَاشِيِّ ، فَإِنَّا لَعَلَى ذَلِكَ ، إِذْ طَلَعَ الزُّبَيْرُ يَسْعَى فَلَمَعَ بِثَوْبِهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : أَلَا أَبْشِرُوا ، فَقَدْ ظَهَرَ النَّجَاشِيُّ ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُ وَمَكَّنَ لَهُ فِي بِلَادِهِ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَحَدَّثْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا قَوْلُهُ : مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ إِلَى آخِرِهِ ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : فَإِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ مَلِكَ قَوْمِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ إِلَّا النَّجَاشِيُّ ، وَكَانَ لِلنَّجَاشِيِّ عَمٌّ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ، فقَالَتِ الْحَبَشَةُ : لَوْ أَنَّا قَتَلْنَا هَذَا وَمَلَّكْنَا أَخَاهُ ، فَإِنَّهُ لَا وَلَدَ غَيْرَ هَذَا الْغُلَامِ ، وَلِأَخِيهِ اثْنَا عَشَرَ وَلَدًا ، فَتَوَارَثُوا مُلْكَهُ مِنْ بَعْدِهِ بَقِيَتِ الْحَبَشَةُ بَعْدَهُ دَهْرًا ، فَعَدَوْا عَلَى أَبِي النَّجَاشِيِّ فَقَتَلُوهُ ، وَمَلَّكُوا أَخَاهُ . فَمَكَثُوا حِينًا ، وَنَشَأَ النَّجَاشِيُّ مَعَ عَمِّهِ ، فَكَانَ لَبِيبًا حَازِمًا ، فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمِّهِ ، وَنَزَلَ مِنْهُ بِكُلِّ مَنْزِلَةٍ ، فَلَمَّا رَأَتِ الْحَبَشَةُ مَكَانَهُ مِنْهُ قَالَتْ بَيْنَهَا : وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبَ هَذَا عَلَى عَمِّهِ ، وَإِنَّا لَنَتَخَوَّفُ أَنْ يُمَلِّكَهُ عَلَيْنَا ، وَإِنْ مَلَكَ لَيَقْتُلُنَا بِأَبِيهِ ، فَكَلَّمُوا الْمَلِكَ ، فَقَالَ : وَيْلَكُمْ ، قَتَلْتُ أَبَاهُ بِالْأَمْسِ ، وَأَقْتُلُهُ الْيَوْمَ ! بَلْ أُخْرِجُهُ مِنْ بِلَادِكُمْ ، قَالَتْ : فَخَرَجُوا بِهِ فباعوه