وَالْمُبَاشَرَةِ لِلْعَوْرَةِ فَلَهُ ذَلِكَ . وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا تَوْضِئَةُ الْمَيِّتِ قَبْلَ الْغَسْلَةِ الْأُولَى ، وَبَعْدَ إزَالَةِ الْأَذَى مَرَّةً مَرَّةً ، وَلَا يُكَرَّرُ الْوُضُوءُ عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا مَرَّ .
وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ تَعَهُّدُ أَسْنَانِهِ أَيْ : تَفَقُّدُهَا وَإِزَالَةُ مَا فِيهَا ، وَأَنْفِهِ بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ ؛ لِإِزَالَةِ مَا يُكْرَهُ رِيحُهُ أَوْ رُؤْيَتُهُ . وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا إمَالَةُ رَأْسِهِ لِمَضْمَضَةٍ لِيَخْرُجَ الْمَاءُ بِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذَى . وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ عَدَمُ حُضُورِ غَيْرِ مُعِينٍ لِلْغَاسِلِ لِصَبٍّ أَوْ تَقْلِيبٍ ، بَلْ يُكْرَهُ حُضُورُهُ . وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْكَرَاهَةُ ، لَكِنَّ مُخَالَفَةَ الْمَنْدُوبِ تَصْدُقُ بِخِلَافِ الْأَوْلَى كَمَا تَصْدُقُ بِالْكَرَاهَةِ الْمُرَادَةِ هُنَا . فَلَوْ قَالَ : وَكُرِهَ حُضُورُ غَيْرِ مُعِينٍ ، لَأَفَادَ الْمُرَادَ . وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ جَعْلُ كَافُورٍ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ أَيًّا كَانَتْ - ثَالِثَةً أَوْ غَيْرَهَا - وَخُصَّ الْكَافُورُ ؛ لِأَنَّهُ لِشِدَّةِ بَرْدِهِ لَا يَسْرُعُ بِهِ تَغَيُّرُ الْجِسْمِ ، وَلِتَطِيبَ رَائِحَةُ الْمَيِّتِ لِلْمُصَلِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - . وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُنَشَّفَ الْمَيِّتُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ تَغْسِيلِهِ . وَهَلْ يُنَجَّسُ الثَّوْبُ الْمُنَشَّفُ بِهِ ؟ قَوْلَا ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَسَحْنُونٍ اللَّخْمِيُّ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِنَجَاسَةِ الْمَيِّتِ تَنَجَّسَ ثَوْبُ التَّنْشِيفِ - ابْنُ عَرَفَةَ . وَنَقْلُ الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ - لَا يُصَلَّى بِهِ وَلَا بِمَا أَصَابَهُ مِنْ مَائِهِ - خِلَافُ قَوْلِهِمْ فِي الْغُسَالَةِ غَيْرِ الْمُتَغَيِّرَةِ . وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا اغْتِسَالُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ وَلَوْ حَائِضًا بَعْدَ فَرَاغِهِ ؛ لِئَلَّا يَتَوَقَّى مَا يُصِيبُهُ مِنْهُ فَلَا يَكَادُ يُبَالِغُ فِي أَمْرِهِ لِتَحَفُّظِهِ ، فَإِذَا وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى الْغُسْلِ فَيُمْكِنُهُ أَكْثَرُ . فَالْمُرَادُ بِاغْتِسَالِهِ أَنْ يُغَسِّلَ جَمِيعَ جَسَدِهِ لِلتَّنْظِيفِ فَلَا يَحْتَاجُ لِذَلِكَ ، وَلَا نِيَّةَ كَمَا يُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ .
( ص ) وَبَيَاضُ الْكَفَنِ وَتَجْمِيرُهُ وَعَدَمُ تَأَخُّرِهِ عَنْ الْغُسْلِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْوَاحِدِ وَلَا يُقْضَى بِالزَّائِدِ إنْ شَحَّ الْوَارِثُ ، إلَّا أَنْ يُوصَى فَفِي ثُلُثِهِ ، وَهَلْ الْوَاجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ أَوْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالْبَاقِي سُنَّةٌ ؟ خِلَافٌ ( ش ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْغُسْلِ شَرَعَ فِي مُسْتَحَبَّاتِ التَّكْفِينِ ، ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مُسْتَحَبَّاتِ التَّشْيِيعِ وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ بَدِيعٌ فِي التَّرْتِيبِ . مِنْهَا بَيَاضُ الْكَفَنِ - قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا - وَعَدَلَ عَنْ أَنْ يَقُولَ : وَلِلْكَفَنِ بَيَاضٌ - كَمَا قَالَ - وَلِلْغُسْلِ سِدْرٌ ؛ لِعَدَمِ حُسْنِهِ فِيمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ : وَتَجْمِيرُهُ بِالْجِيمِ - وَفِيهِ شَيْءٌ - أَيْ : تَبْخِيرُهُ وِتْرًا - ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا - بِالْعُودِ أَوْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عُبُوقُ الرَّائِحَةِ وَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ
شرح
قَوْلُهُ وَالْمُبَاشَرَةِ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ . ( قَوْلُهُ وَلَا يُكَرَّرُ الْوُضُوءُ ) أَيْ : يُكْرَهُ فِيمَا يَظْهَرُ . ( قَوْلُهُ أَيْ تَفَقُّدُهَا وَإِزَالَةُ مَا فِيهَا ) هُوَ عَيْنُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ : يُدْخِلُهَا فِي فَمِهِ لِيُنَظِّفَ أَسْنَانَهُ . ( قَوْلُهُ إمَالَةُ رَأْسِهِ لِمَضْمَضَةٍ ) أَيْ : بَعْدَ تَنْظِيفِ الْأَسْنَانِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَنْظِيفَ الْأَسْنَانِ وَالْأَنْفِ يَكُونُ سَابِقًا عَلَى الْوُضُوءِ الْمُحْتَوِي عَلَى الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ . ( قَوْلُهُ لَكِنَّ مُخَالَفَةَ الْمَنْدُوبِ ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ : لِكَوْنِ مُخَالَفَةِ الْمَنْدُوبِ تَصْدُقُ . . . إلَخْ .
( قَوْلُهُ فَلَوْ قَالَ . . . إلَخْ ) سَنَدٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ إلَّا ثِقَةً أَمِينًا صَالِحًا يُخْفِي مَا يَرَاهُ مِنْ عَيْبٍ وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ أَحَدٌ كَانَ أَحْسَنَ ك . ( قَوْلُهُ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ ) كَتَبَ بَعْضُ شُيُوخِنَا : أَيْ يَضَعُ الْكَافُورَ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ لَا مَاءِ الْوَرْدِ . ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لِشِدَّةِ بَرْدِهِ ) مِنْ ذَلِكَ يُؤْخَذُ أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي لَا تَبْلَى أَفْضَلُ عِنْدَنَا مِنْ الَّتِي تَبْلَى خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ . ( قَوْلُهُ وَالْمَلَائِكَةِ ) أَيْ : الَّذِينَ يَحْضُرُونَ غُسْلَهُ أَوْ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ أَوْ يَسْأَلُونَ أَوْ الْجَمِيعِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ قَالَ فِي الْمَدْخَلِ : وَصِفَتُهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الْكَافُورِ فَيُجْعَلَ فِي إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَيُذِيبَهُ فِيهِ ثُمَّ يُغَسِّلَ الْمَيِّتَ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ فَغَيْرُهُ مِنْ الطِّيبِ وَلَوْ عَنْبَرًا ، وَإِنْ صَحَّ أَنَّهُ تَقْذِفُهُ دَابَّةٌ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ كَمَا فِي ك .
( قَوْلُهُ اللَّخْمِيُّ ) الرَّاجِحُ الطَّهَارَةُ وَلَوْ قُلْنَا إنَّ مَيْتَةَ الْآدَمِيِّ نَجِسَةٌ كَمَا فِي شَرْحِ شب . وَقَوْلُهُ : وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْ : الَّذِي يَقُولُ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَهَلْ يُنَجَّسُ أَيْ : أَوْ لَا يُنَجَّسُ . وَقَوْلُهُ : قَوْلًا . . . إلَخْ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ ، فَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ بِالْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ النَّجَاسَةُ وَسَحْنُونٌ بِعَدَمِهَا . ( قَوْلُهُ وَنَقْلُ الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ ) اُنْظُرْهُ فَإِنَّ الشَّيْخَ إذَا أَطْلَقَ يَنْصَرِفُ لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَيَقْتَضِي أَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ مُتَقَدِّمٌ عَلَى ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَاتَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ، وَمَوْلِدُهُ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَمَاتَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ سَنَةَ سِتَّةٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . وَكَوْنُ الْمُرَادِ بِالشَّيْخِ شَيْخَهُ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ خِلَافُ عَادَتِهِ . ( قَوْلُهُ خِلَافُ قَوْلِهِمْ . . . إلَخْ ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغُسَالَةَ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَغَيِّرَةً طَاهِرَةٌ ، فَحِينَئِذٍ لَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ . ( قَوْلُهُ يُغَسِّلَ جَمِيعَ جَسَدِهِ ) أَيْ : لِإِثْبَاتِهِ كَمَا أَفَادَهُ فِي ك عَنْ تَقْرِيرٍ . ( قَوْلُهُ كَمَا يُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ ) أَيْ : بِالتَّنْظِيفِ
. ( قَوْلُهُ بَيَاضُ الْكَفَنِ . . . إلَخْ ) وَمَا فِيهِ مِنْ عَلَمٍ أَوْ حَاشِيَةٍ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْبَيَاضِ أَيْ : يُسْتَحَبُّ جَعْلُ الْكَفَنِ أَبْيَضَ فَلَيْسَ الْمُسْتَحَبُّ نَفْسَ الْبَيَاضِ . وَقَوْلُهُ : عَدَمُ تَأَخُّرِهِ أَيْ : الْكَفَنِ بِمَعْنَى التَّكْفِينِ ، فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ أَوْ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ أَيْ : التَّكْفِينُ بِالْكَفَنِ .
( قَوْلُهُ وَفِيهِ شَيْءٌ ) أَيْ : فِي عَدَمِ حُسْنِهِ شَيْءٌ أَيْ : فِي هَذَا التَّوْجِيهِ وَهُوَ قَوْلُهُ : لِعَدَمِ حُسْنِهِ ، شَيْءٌ أَيْ : بَلْ هُوَ حَسَنٌ . وَالْمَعْنَى وَنُدِبَ لِلْكَفَنِ أَيْ : فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَجْمِيرٌ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الضَّمِيرِ . ( قَوْلُهُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا ) أَيْ : بِحَسَبِ الْحَالِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى السَّبْعِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّبْخِيرَ فِي ذَاتِهِ مُسْتَحَبٌّ وَكَوْنُهُ وِتْرًا مُسْتَحَبٌّ آخَرُ . ( قَوْلُهُ وَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ تَخْمِيرٌ ) وَجْهُ التَّصْحِيفِ كَمَا فِي شَرْحِ شب أَنَّ التَّخْمِيرَ التَّغْطِيَةُ وَلَا يَصْلُحُ إرَادَتُهُ هُنَا ، فَإِنْ قِيلَ : يُقَالُ وُجِدَتْ خَمَرَةُ الطِّيبِ أَيْ : رِيحُهَا فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِلَفْظِ خَمَرَةٍ وَاَلَّذِي هُنَا تَخْمِيرٌ . اه - .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّصْحِيفَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ بَلْ مُتَعَلِّقٌ بِذَاتِ اللَّفْظِ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ صَحِيحًا ؛ لِأَنَّ سَنَدًا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ تُبْسَطُ الْأَكْفَانُ وَيُجْعَلُ الْمَيِّتُ عَلَيْهَا ، فَإِنْ قُلْتَ : غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ اللَّفْظَ فِي مَجَازِهِ وَلَا يُعَدُّ تَصْحِيفًا ، قُلْتُ : لَعَلَّهُ جَعَلَهُ تَصْحِيفًا لِكَوْنِهِ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ نُسْخَةَ الْمُصَنَّفِ تَجْمِيرٌ بِالْجِيمِ .