ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله بهذه الآية ، وما " النفر " ، الذي كرهه لجميع المؤمنين ؟
فقال بعضهم : وهو نَفْرٌ كان من قوم كانوا بالبادية ، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمون الناس الإسلام ، فلما نزل قوله : ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ) ، انصرفوا عن البادية إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه ، وممن عُنِي بالآية . فأنزل الله في ذلك عذرهم بقوله : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) ، وكره انصرافَ جميعهم من البادية إلى المدينة .
* ذكر من قال ذلك :
17466 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) ، قال : ناسٌ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، خرجوا في البوادي ، فأصابوا من الناس معروفًا ، ومن الخصب ما ينتفعون به ، ودَعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى ، فقال الناس لهم : ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا ! فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجًا ، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال الله : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) ، يبتغون الخير = ( ليتفقهوا ) ، وليسمعوا ما في الناس ، وما أنزل الله بعدهم = ( ولينذروا قومهم ) ، الناس كلهم = ( إذا رجعوا اللهم لعلهم يحذرون ) .
17467 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله = إلا أنه قال في حديثه : فقال الله : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) ، خرج بعض ، وقعد بعضٌ يبتغون الخير .
17468 - . . . . . . قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحو حديثه عن أبي حذيفة .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 566
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٥٦٦