الأوزاعي ، وعبد الله بن المبارك ، والفزاري ، والسبيعي ، وابن جابر ، وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية : ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ) ، إلى آخر الآية ، إنها لأوّل هذه الأمة وآخرها من المجاهدين في سبيل الله .
* * *
وقال آخرون هذه الآية : نزلت وفي أهل الإسلام قلة ، فلما كثروا نسخها الله ، وأباح التخلف لمن شاء ، فقال : ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ) [ سورة التوبة : 122 ]
* ذكر من قال ذلك :
17464 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ) ، فقرأ حتى بلغ : ( ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ) ، قال : هذا حين كان الإسلام قليلا فلما كثر الإسلام بعدُ قال : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) ، إلى آخر الآية .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي ، أن الله عنى بها الذين وصفهم بقوله : ( وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ) ، [ سورة التوبة : 90 ] . ثم قال جل ثناؤه : ( ما كان لأهل المدينة ) ، الذين تخلفوا عن رسول الله ، ولا لمن حولهم من الأعراب الذين قعدوا عن الجهاد معه ، أن يتخلفوا خِلافَه ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ندب في غزوته تلك كلَّ من أطاق النهوض معه إلى الشخوص ، إلا من أذن له ، أو أمره بالمقام بعده . فلم يكن لمن قدر على الشخوص التخلُّف . فعدّد جل ثناؤه من تخلف منهم ، فأظهر نفاقَ من كان تخلُّفه منهم نفاقًا ، وعذر من كان تخلفه لعُذْرٍ ، وتاب على من كان تخلُّفه تفريطًا من غير شك ولا ارتياب
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 563
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٥٦٣