في أمر الله ، إذ تاب من خطأ ما كان منه من الفعل . فأما التخلف عنه في حال استغنائه ، فلم يكن محظورًا ، إذا لم يكن عن كراهةٍ منه صلى الله عليه وسلم ذلك . وكذلك حكم المسلمين اليوم إزاء إمامهم . فليس بفرضٍ على جميعهم النهوضُ معه ، إلا في حال حاجته إليهم ، لما لا بُدَّ للإسلام وأهله من حضورهم واجتماعهم واستنهاضه إياهم ، فيلزمهم حينئذ طاعته .
وإذا كان ذلك معنى الآية ، لم تكن إحدى الآيتين اللتين ذكرنا ناسخةً للأخرى ، إذ لم تكن إحداهما نافيةً حكم الأخرى من كل وجوهه ، ولا جاء خبر يوجِّه الحجة بأن إحداهما ناسخة للأخرى .
* * *
وقد بينا معنى " المخمصة " ، وأنها المجاعة بشواهده ، وذكرنا الرواية عمن قال ذلك في موضعٍ غير هذا ، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا . ( 1 )
* * *
وأما " النيل " ، فهو مصدر من قول القائل : " نالني ينالني " ، و " نلت الشيء فهو مَنيل " . وذلك إذا كنت تناله بيدك ، وليس من " التناول " . وذلك أن " التناول " من " النوال " ، يقال منه : " نُلْتُ له ، أنول له " ، من العطيّة .
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : " النيل " مصدر من قول القائل : " نالني بخير ينولني نوالا " ، و " أنالني خيرًا إنالةً " . وقال : كأن " النيل " من الواو أبدلت ياء لخفتها وثقل الواو . وليس ذلك بمعروف في كلام العرب ، بل من شأن العرب أن تصحِّح الواو من ذوات الواو ، إذا سكنت وانفتح ما قبلها ، كقولهم : " القَوْل " ، و " العَوْل " ، و " الحول " ، ولو جاز ما قال ، لجاز " القَيْل " . ( 2 )
* * *
هامش
( 1 ) انظر تفسير " المخمصة " فيما سلف 9 : 532 - 534 .
( 2 ) انظر تفسير " النيل " فيما سلف 3 : 20 / 6 : 587 / 12 : 408 ، 469 / 13 : 133 ولم يفسر " النيل " فيما سلف بمثل هذا البيان في هذا الموضع . وهذه ملاحظة نافعة في استخراج المنهج الذي ألف به أبو جعفر تفسيره هذا .