والتَّصنيِفِ ، وعليهِ في كُلِّ ذَلِكَ تَصْحِيحُ القَصْدِ والْحَذَرُ مِنْ قَصْدِ المكاثَرَةِ ونَحْوِهِ ، بَلَغَنا عَنْ حَمْزَةَ بنِ مُحَمَّدٍ الكِنانيِّ أنَّهُ خَرَّجَ حَديثاً واحِداً مِنْ نَحوِ مِئتَي طريقٍ فأعْجَبهُ ذلِكَ ، فرأى يَحْيى بنَ مَعينٍ في مَنامِهِ فَذَكَرَ لهُ ذَلِكَ ، فقالَ لهُ : أخشى أنْ يَدْخُلَ هذا تَحْتَ { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } ( 1 ) ) ) ( 2 ) .
قولُهُ : ( رُوِّيْنا عَنْ عليِّ بنِ المدينيِّ ) ( 3 ) إنما جعلَ هذا كالدليلِ لكراهةِ جمعِ المقصرِ من حيثُ إنّه قيّده بأولِ كتابتهِ فإنَّ الإنسانَ إذا أخذَ في طلبِ علمٍ من
العلومِ يكونُ عنهُ كالأجنبيِّ ، فلا تكونُ لهُ فيهِ ملكةٌ إلا بعد ممارسةٍ كثيرةٍ ، وتخصيصهُ هذينِ الحديثينِ لكثرةِ طرقهما ، وإنما قالَ : ( ( قفَاهُ ) ) إشارة إلى إدبارِهِ عن الخيرِ .
عبارةُ ابنِ الصلاحِ : ( ( وَلْيَتَّقِ أنْ يَجْمَعَ ما لَمْ يَتَأَهَّلْ بَعْدُ لاجْتِناءِ ثَمَرتِهِ واقْتِنَاصِ فائِدة جَمْعِهِ ، لئَلا ( 4 ) يَكونَ حُكْمُهُ مَا رُوِّيْنا عَنْ عليِّ بن المدينيِّ ) ) فذكره .
وقال عَقِبَهُ : ( ( ثُمَّ إنَّ هذا الكتابَ مَدخلٌ إلى هذا الشَّأنِ ، مُفْصِحٌ عَنْ أصُولِهِ وفُروعِهِ ، شارِحٌ لمصطلحاتِ أَهلهِ ومقاصِدِهم وَمُهِمَّاتِهم التي ينْقُصُ المحَدِّثُ بالجهلِ بِها نقْصاً فاحِشاً ، فهو إن شاءَ الله جَديرٌ بأنْ تُقَدَّمَ العنايةُ بهِ ) ) ( 5 ) . انتهى .
وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ : ( ( ولتكنْ عنايتهُ بالأَولى فالأَولى مِنْ علومِ الحديثِ ،
ومِنَ الخَطأ الاشتغالُ بالتَّتِمَّاتِ والتكميلاتِ مِنْ هذه العلوم وغيرِها مع تَضييعِ المهماتِ ) ) ( 6 ) .
هامش
( 1 ) التكاثر : 1 ، أخرج هذا الأثر ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2 / 132 ، والذهبي في سير أعلام النبلاء 16 / 180 .
( 2 ) معرفة أنواع علم الحديث : 362 .
( 3 ) شرح التبصرة والتذكرة 2 / 58 ، قال علي بن المديني : ( ( إذا رأيت المحدث أول ما يكتب الحديث يجمع حديث الغسل ، وحديث من كذب عليَّ ، فاكتب على قفاه : لا يفلح ) ) .
انظر : الجامع لأخلاق الراوي ( 1923 ) .
( 4 ) في " معرفة أنواع علم الحديث " : ( ( كيلا ) ) .
( 5 ) معرفة أنواع علم الحديث : 362 .
( 6 ) الاقتراح : 256 .