فأراه الله قُدرته على ذلك يضربه المثلَ له في نفسه ، ثم أراه الموضع الذي أنكر قُدرته على عمارته وإحيائه ، أحيا ما رآه قبل خرابه ، وأعمرَ ما كان قبل خرابه . ( 1 ) .
* * *
وذلك أن قائل ذلك كان - فيما ذكر لنا - عهده عامرًا بأهله وسكانه ، ثم رآه خاويًا على عروشه ، قد باد أهله ، وشتَّتهم القتل والسباء ، فلم يبق منهم بذلك المكان أحدٌ ، وخربت منازلهم ودورهم ، فلم يبق إلا الأثر . فلما رآه كذلك بعد للحال التي عهده عليها ، قال : على أيّ وَجه يُحيي هذه الله بعد خرابها فيعمُرها ، ( 2 ) . استنكارًا فيما - قاله بعض أهل التأويل - فأراه كيفية إحيائه ذلك بما ضربه له في نفسه ، وفيما كان في إدواته وفي طعامه ، ( 3 ) . ثم عرّفه قدرته على ذلك وعلى غيره بإظهاره على إحيائه ما كان عجبًا عنده في قدرة الله إحياؤه رَأْيَ عينه حتى أبصره ببصره ( 4 ) ، فلما رأى ذلك قال : ( أعلمُ أنّ الله على كل شيء قدير ) .
* * *
وكان سبب قِيله ذلك ، كالذي : -
5910 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه اليماني أنه كان يقول : قال الله لأرميا حين بعثه نبيًّا إلى
هامش
( 1 ) قوله : " أحيى ما رآه . . . " و " أعمر ما كان . . . " ، هو " أفعل " التفضيل من " الحياة " و " العمارة " ، وليسا فعلين ، أي أحسن حياة ، وأكثر عمرانا .
( 2 ) انظر تفسير " أني " فيما سلف 4 : 413 - 416 / وهذا الجزء 5 : 312 .
( 3 ) في المطبوعة : " وفيما كان من شرابه وطعامه " ، لم يحسن قراءة المخطوطة لتصحيفها . وفي المخطوطة : " وفيما كان من إدا وبه وطعامه " ، وصواب هذه الجملة المصحفة ما أثبت . والإداوة ( بكسر الهمزة ) : هي إناء صغير من جلد يتخذ للماء ، وجمعها " أداوى " بفتح الواو ، وزدت " في " بين " وطعامه " لضرورتها في السياق .
( 4 ) في المطبوعة : " بإظهاره إحياء ما كان عجبًا . لرأي عينه " ، وفي المخطوطة : " بإظهاره إحيائه ما كان . . " وسائره مثله . والصواب ما أثبت ، وسياق العبارة : بإظهاره على إحيائه ذلك رأي عينه " ، بحذف اللام من " لرأي " ، ونصب " رأي " يقول : أظهره على إحياء ما أحيي رأي العين .