فما أُبْقِيتُ آخرَ الأنبياء إلا لما هو شر علي ! ( 8 ) . لو أراد بي خيرًا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل ! فمن أجلي تصيبهم الشِّقوة والهلاك ! فلما سمع الله تضرُّع الخضر وبكاءه وكيف يقول ، ( 9 ) . ناداه : أورميا ! أشقّ عليك ما أوحيت إليك ؟ قال : نعم يا رب ، أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أُسَرّ به ، ( 10 ) . فقال الله : وعزتي العزيزة ، ( 11 ) . لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الأمر من قِبَلك في ذلك ! ففرح عند ذلك أورميا لما قال له ربه ، وطابت نفسه ، وقال : لا والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق ، لا آمر ربي بهلاك بني إسرائيل أبدًا ! ( 12 ) . ثم أتى ملكَ بني إسرائيل ، وأخبره بما أوحى الله إليه ، ففرح واستبشر وقال : إن يعذِّبنا ربُّنا فبذنوب كثيرة قدَّمناها لأنفسنا ، وإن عفا عنا فبقدرته .
= ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية ، وتمادوا في الشر ، ( 13 ) . وذلك حين اقترب هلاكهم ، فقلّ الوحيُ ، حتى لم يكونوا يتذكرون الآخرة ، ( 14 ) . وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنُها ، فقال ملكهم : يا بني إسرائيل انتهوا عما أنتم عليه قبل أن يمسَّكم بأسٌ من الله ، وقبل أن يُبعث عليكم ملوكٌ لا رحمة لهم بكم ، ( 15 ) . فإن ربكم قريب التوبة ، مبسوط اليدين بالخير ، رحيم بمن
هامش
( 8 ) في المخطوطة : " إلا لما هو أشر على " ، ولا بأس بها .
( 9 ) " الخضر " هو " أرميا " نفسه ، فيما زعم وهب بن منبه راوي هذا الأثر ، كما سلف ذلك عنه في رقم : 5891 .
( 10 ) في المخطوطة والمطبوعة : " أهلكنى في بني إسرائيل " سقط منها " قبل أن أروي " ، وأثبت صوابها من التاريخ .
( 11 ) في التاريخ : " وعزتي وجلالي " والذي في المخطوطة والمطبوعة قسم عزيز قلما أصبته فيما قرأت .
( 12 ) " لا آمر ربي " يعنى : لا أسأله ذلك ولا أدعوه . وهو مجاز من الأمر " جيد عربي فصيح ، وقلما تصيبه في كتب اللغة ، وقلما تصيب الشاهد عليه . وذلك أنه إذا دعا قال : " رب أهلكهم " ، فذلك دعاء ، وكل دعاء يقتضى هذا الفعل الأمر ، وليس بأمر لله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . وهذا المجاز في النفي ، أجود منه في الإثبات . وانظر ما سيأتي في الخبر ص : 450 ، وتعليق : ك 4 .
( 13 ) في التاريخ : " وتماديا في الشر " وهو أجود .
( 14 ) في المطبوعة : " حتى لم يكونوا " ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ ، وهو العربي الصحيح .
( 15 ) في التاريخ : " وقيل أن يبعث الله عليكم قوما لا رحمة لهم بكم " .