تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
حذفِه ، فلو ذكره في الأول ، وحذفه في الثاني لكان فصيحاً ، لأن ذكره في الأول قرينةٌ متقدمة تُسَوِّغُ حذفه في الثاني لتقدُّمِ دلالتها على الحذف ، كما لو قال : نحن راضون بما عندنا وأنت بما عندك ، أي : وأنت بما عندَك راضٍ ، وكل صحيح الذوق يعرف صحة كلامهم هذا ، وإنما وقع الشاعر فيما وقع فيه لضرورة الشعر ، وهذا في العمدة ( 1 ) التي حذفها قرينةٌ ضرورية تُوجب تَطَلُّبَ التأويل والإضمار . وأما قوله في الآية : { لمن يشاء } ، فليس بعمدةٍ في الكلام في عرفهم ومعنى هذا : أنه لو حذفها ، لكان ما قبله كلاما صحيحاً ( 2 ) مستقلاًّ بنفسه لا يتوقفُ فهمه عليه ، فلا يصحُّ أن يضمر فيه ما لم تدل عليه قرينةٌ متقدمةٌ ، لأنه يَغْلَطُ السامع في معناه ، ولا يعلم ما أضمره المتكلم من غير قرينةٍ إلاَّ الله ، والكلامُ إنما وُضِعَ لإيضاح المعاني ، خصوصاً الكلام البليغ ، لأن البلاغة : بلوغُ المتكلم إلى مراده بأوضح عبارة ، فمتى وقع الإضمارُ فيما ليس بعمدةٍ من غير قرينة متقدمةٍ كان من قبيل الإلْغازِ والتعميةِ للمقاصد ، بل لو كانت الآية على العكس من كلامه - فقد ذكر المشيئة في الجملة الأولى ، وحذفه في الثانية - ما دلَّ على كلامه ، كما لو قال : إن الله يغفر ما دون أن يشرك به لمن يشاء ، ولا يغفر أن يُشْرَكَ به ، وإنما كان لا يدلُّ حينئذٍ على ما ادعى ، ولا يكونُ تقدم ذكر المشيئة قرينةً ، لِمَا ذكرنا من أن ذكر المشيئة غير عُمدةٍ في الكلام ، بل ما قبله كلامٌ تام ، وما بعده كذلك والسرُّ في هذا : أن الإضمار خلافُ الظاهر ، فلا يُصارُ إليه إلاَّ لضرورةٍ ودلالةٍ على تعيين ما أضمر ، وإلا لادَّعى كلُّ أحدٍ ما شاء من تأويلٍ وصحةَ تأويلات الباطنية ، وانفتحت أبوابُ الجهالات في تأويل القرآن ، وذلك أعظم أسباب ( 3 ) الفساد ، لأن القرآن هو الفاروقُ الأعظمُ بين المُحقين والمُبطلين ، فمتى صح للمبطلين انفتاحُ باب التأويلات الباطلة ، لم يُنْتَفَعْ بما
هامش
( 1 ) في ( د ) و ( ف ) : " العمد " . ( 2 ) في ( ف ) : " فصيحاً " . ( 3 ) في ( ش ) : " أبواب " .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 172 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )